دمشق ــ الأخبار

فيما اعتاد السوريون أن يكون مصدر الحدث يوم الجمعة من درعا أو حمص وإدلب أو حماه، جاءت التفجيرات هذه المرة من قلب العاصمة لتطرح تساؤلات كثيرة عن حقيقة ما حصل، في ظل رواية رسمية اتهمت تنظيم «القاعدة» بالعمليات، وادعاءات عدد من الناشطين الذين اتهموا النظام بافتعال العملية، رغبةً منه في كشف «العصابات المسلحة» التي تضرب البلاد، أمام بعثة المراقبين العرب.

واستند المشككون في الرواية الرسمية إلى سرعة السلطات في توجيه الاتهام من جهة، وإلى كيفية تنفيذ عملية كهذه في منطقة تتميز بمستوى عال من الإجراءات الأمنية. وبين الروايتين، بات السؤال المطروح: هل وصل مسلحو «القاعدة» إلى قلب الشام؟ وهل ستتنقل يوميات الدم من بغداد إلى عاصمة الأمويين؟
وذكر العديد من سكان الأحياء في دمشق أن شدة التفجير بلغت من القوة حدّاً أن النوافذ اهتزت في أحياء المالكي وأبو رمانة البعيدة نسبياً عن كفرسوسة. وتحدث آخرون عن صوت عنيف للانفجار في مناطق المزة والحجاز، تلاه بحسب المقيمين قرب موقع الانفجار، إطلاق نار كثيف للغاية، الأمر الذي دفع بعض الأهالي للاعتقاد بحصول محاولة هجوم في قلب العاصمة. لكن سرعان ما أعلن الإعلام الرسمي النبأ، مشيراً إلى مسؤولية تنظيم «القاعدة» عن التفجير الذي نجم عن «سيارتين مفخختين يقودهما انتحاريان». وأفاد عدد من الناشطين بأن أعداداً كبيرة من الجثث أو بالأحرى أشلاء الجثث نقلت إلى المستشفيات المجاورة.
بعدها، شهدت بعض الأحياء الدمشقية، للمرة الأولى منذ بدء الأزمة، انتشاراً أمنياً كثيفاً مع وجود كبير للحواجز حتى في الأحياء المحسوبة على مؤيدي النظام.
مصادر مقربة من دمشق توضح أن «سرعة اتهام تنظيم القاعدة إنما جاءت بناءً على معلومات مسبقة، مستقاة من أكثر من مصدر، بينها الحكومة اللبنانية التي أبلغت السلطات السورية بتسلل عناصر من القاعدة إلى سوريا». وتضيف: «لكن المعلومات الأهم وردت من طهران، التي نقلت المعلومات نفسها إلى لبنان والعراق وتفيد بأن بغداد ودمشق وبيروت ستغرق بالدماء بناءً على تعليمات أميركية».
مصادر إيرانية وثيقة الاطلاع تقول إن «السلطات الإيرانية اعتقلت قبل مدة أحد كبار القادة في تنظيم القاعدة، كان في طريقه من أفغانستان إلى بغداد ومعه جهاز كومبيوتر محمول فيه خطط لعمليات في سوريا ولبنان والعراق»، مشيرة إلى أن «المعتقل اعترف بأنه مفتاح أمني مخترق من الأميركيين».
المصادر القريبة من دمشق تضيف: «يبدو، بحسب المعلومات المتوافرة، أن واشنطن كانت تراهن على وعود التنسيقيات بأنها قادرة على إغراق العاصمة السورية بالتظاهرات. جاءت أحداث حي الميدان، وتبين أن قدرة هذه المعارضة على الحشد لا تتجاوز ثلاثة آلاف شخص، وغالبيتهم العظمى من غير أهل الشام. لذلك، انتقل الأميركي إلى الخيار الثاني، وهو العمل المسلح الذي يؤدي إلى ضعضعة النظام وفقدان ثقة السوريين به».
تتابع المصادر نفسها قائلة إن «قوات الأمن اعتقلت قبل نحو عشرة أيام، وفي خلال الحملة الأمنية في حمص، أمير بابا عمرو، ويدعى أبو بكر، الذي يُعد من كبار قادة العمل المسلح في سوريا. لقد اعترف بمخطط المسلحين اللجوء إلى ضرب الاستقرار الأمني عبر العمل المسلح والتفجيرات، مع العمل على إلصاق التهمة بالنظام، متسلحين بوسائل الإعلام العربية الرئيسية التي تقف في معظمها إلى جانبهم وتروج لهم». وتشير إلى أن «أجهزة الأمن السورية تلقت تهديدات بسلسلة تفجيرات إذا لم تطلق سراح أبو بكر هذا».
وتضيف المصادر أن «لدى أجهزة الأمن معلومات عن وجود ثمانية انتحاريين وأرقام السيارات المعدة للتفجير، وهي تعمل ليل نهار في العمل على إلقاء القبض عليهم». وتتحدث كذلك عن «مواقع سنية سلفية حذرت الناس خلال الأيام القليلة الماضية من الاقتراب من المراكز الأمنية السورية لأنها ستكون هدفاً للتفجيرات»، مشيرة إلى أنه «في أحد هذه المواقع، قال أمير منطقة إدلب حمزة بن الرحمن ما حرفيته أنه قريباً ستسمعون أخباراً رائعة في دمشق. وعندما علق أحد متابعي الموقع بأن المتوقع تظاهرات، أجابه بأن زمن التظاهرات قد ولّى».
وتقول هذه المصادر: «ألا يعتبر كل ذلك أدلة وقرائن تسمح بتوجيه الاتهام إلى تنظيم القاعدة». أما في شان الحديث عن أن الانتحاريين وسيارتيهما قد دخلا منطقة أمنية شديدة الحراسة، فتقول المصادر إن «الانفجار الأول حصل أمام الباب الفرعي لمديرية المخابرات العامة، على أوتوستراد كفرسوسة ـــــ المحلق ـــــ المجتهد الذي تعبره آلاف السيارات يومياً، وهو طريق مفتوح لا حاجز أمنياً واحداً فيه. ما حصل أن السيارة عندما وصلت بمحاذاة الباب، فجرها الانتحاري». وتضيف: «كذلك الأمر بالنسبة إلى انفجار فرع المنطقة، وقع على أوتوستراد رئيسي»، مشيرة إلى أن ضحايا التفجيرين نوعان: «نحو 30 في المئة من العسكر الذين يتولون عمليات الحراسة، فيما الـ70 في المئة من المدنيين الذين صودف مرورهم في المكان».
ويرى البعض أن التفجيرين جعلا الأرضية مهيأة للحديث عن حضور تنظيم «القاعدة»، وذلك بعد تقارير صحافية سبق أن تحدثت عن دخول عناصر من هذا التنظيم إلى سوريا، إضافة إلى امتلاكه خلايا نائمة في البلاد، وخصوصاً أن هذا الأسلوب في تنفيذ العمليات يبدو قريباً للغاية من عمليات مشابهة وقعت في العراق في السنوات الماضية.
ومعروف أن سوريا لم يسبق لها أن شهدت عمليات بهذا الحجم منذ عام 2008، يوم تعرض أحد مباني الاستخبارات لانفجار بسيارة مفخخة. ويلفت الناشط الحقوقي عبد الرحمن داوود إلى أن «التنظيمات الإسلامية لها باع طويل في الموضوع». وذكّر في هذا الإطار بالعمليات التي شهدتها سوريا في الثمانينيات «على أيدي الإخوان المسلمين، وصولاً إلى التفجير في وسط العاصمة اليوم (الجمعة)». ويلفت داوود إلى أن «أسلوب الخلايا الذي تتبعه الجماعات الإسلامية في تنفيذ مخططاتها والطريقة الصارمة في العمل التي تفرض التنفيذ من دون أي اعتراض والتخطيط الفائق النوعية لمثل تفجيرات كهذه، يساعدها في تنفيذ أعمالها»، وخاصة أن الشهور العشرة الماضية كانت «فرصة كبيرة للقاعدة لكي تستيقظ في ظل انهماك الأجهزة الأمنية بالحراك الحاصل في البلاد، إضافة إلى سهولة التهريب عبر الحدود العراقية واللبنانية، وبالطبع انتشار التيار السلفي بات واضحاً في الكثير من المدن والبلدات السورية».