يبدو واضحاً الإجماع على أن كل ما يجري ليس سوى أوجه من تجليات الصراع الأميركي الإيراني، في ظل تأكيدات لاختلال كبير في موازين القوى لغير مصلحة واشنطن. البعض يتحدث عن «قطبة مخفية» أجهضت جولة الحوار السعودي الإيراني اليتيمة. حتى التوافقات الشكلية ذهبت هباءً بعد أيام فقط، عبر كلام ملك السعودية عبد الله في القمة الأخيرة لدول مجلس التعاون الخليجي في 19 ـــــ 20 الجاري. وقتها تحدث بوضوح عن أن دول الخليج «مستهدفة في أمنها واستقرارها». بل جاء البيان الختامي أكثر تصعيداً، معبّراً عن «بالغ القلق لاستمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية» لدول الخليج و«محاولة بث الفرقة، وإثارة الفتنة الطائفية بين مواطنيها، في انتهاك لسيادتها واستقلالها»، وإن أرفق بتصريح لسعود الفيصل يتحدث عن استعداد الخليجيين للحوار. علماً بأن كلاً من الطرفين يتحدث عن أن الطرف الآخر هو من طلب الحوار، الذي تُرجم في زيارة وزير الاستخبارات الإيرانية إلى الرياض.

قمة خليجية سبقها اشتعال سياسي مفاجئ في العراق، عُبّر عنه في إعلان الكتلة العراقية الخميس 14 الجاري تعليق مشاركتها في العملية السياسية، وتلتها بيومين (22 الجاري) أول سلسلة تفجيرات ضخمة في بغداد ما بعد الانسحاب، وما بينهما من معركة فتحها رئيس الوزراء نوري المالكي على قادة العراقية، وفي مقدمتهم نائب الرئيس طارق الهاشمي، ونائب رئيس الوزراء صالح المطلك، واجتماع في الدوحة للجنة الوزارية العربية المكلفة متابعة الأزمة السورية انتهى إلى قرار بنقل الملف السوري إلى مجلس الأمن، إن لم توقع سوريا البروتوكول خلال ثلاثة أيام، إلى الانفجار الدامي في دمشق في 23 الجاري.

العراق: تهدئة أم تصعيد؟

الحكاية في العراق تبدو أكثر تعقيداً مما عكسته وسائل الإعلام. بدأت قبل أيام من الانسحاب الكامل في 15 الجاري. تصريحات من هنا وهناك لقادة «العراقية» والمتحدثين باسمها تطالب بـ«الشراكة الوطنية العادلة وتطبيق التوافق السياسي الذي أقرته اتفاقية أربيل». حتى جاء يوم الانسحاب واحتفالاته الخميس. ومع حلول يوم الجمعة، عقد قادة العراقية ووزراؤها وبعض برلمانييها اجتماعاً مسائياً في منزل نائب الرئيس طارق الهاشمي «نوقشت في خلاله جملة من الملفات المهمة والخطيرة، منها ما يتعلق بانتشار الدبابات والقوات الأمنية داخل محيط المنطقة الخضراء وأمام منازل قادة العراقية». وخلص الاجتماع إلى بيان رسمي، إلى إعلان الكتلة «تعليق مشاركتها في جلسات مجلس النواب ابتداءً من اليوم (الجمعة) وإلى إشعار آخر وتدعو إلى طاولة حوار فوراً لإيجاد حلول ناجعة وحقيقية تعزز المسار الديموقراطي وبناء دولة المؤسسات المدنية. وتؤكد أنها تحتفظ بحقها في اللجوء إلى الخيارت الدستورية الكفيلة بتحقيق مطالبها العادلة».
وفيما كان الاجتماع في منزل الهاشمي منعقداً، كان التحالف الوطني يعقد اجتماعاً موازياً، دار النقاش فيه حول «النية الواضحة للكتلة العراقية، بتحريض سعودي تركي، لتنفيذ انقلاب دستوري يفرض في خلاله امتلاك حق الفيتو على القرارات الحكومية عبر سياسة التوافق التي يتحدثون عنها، والتي تعني ألا يُتخذ أي قرار إلا بإجماع الكتل البرلمانية»، على ما أفادت مصادر متابعة للاجتماع، مشيرة إلى أن «المالكي كان واضحاً. لا بد من خطوة استباقية، تُجهض هذا المخطط مهما كلف الأمر. لا يمكن أن يأخذوا في العراق المستقل ما عجزوا عنه في العراق المحتل». كان القرار واضحاً: سبق أن أُجهض سيناريو الأقلمة، الذي كانت ثلاث محافظات على الأقل ستتحول إلى ما يشبه كردستان العراق. الآن حان دور إجهاض الانقلاب السياسي، ولو اضطررنا إلى استبدال حكومة الوحدة الوطنية بحكومة أغلبية.
مع إطلالة يوم السبت، بدأت الحملة المضادة عبر كشف الملفات «الموجودة بحوزة الحكومة منذ مدة طويلة» بحق الهاشمي والمطلك. وتشير المصادر نفسها إلى أن «هناك الآن وجهتي نظر في العراق، تقول الأولى بلملة الموضوع على قاعدة ترك ملف الهاشمي للقضاء وعدم كشف الملفات الخاصة بالقادة الآخرين للعراقية، مع وضع ضوابط وكوابح للمرحلة المقبلة. ويحظى هذا الخيار برعاية إيران. أما وجهة النظر الثانية التي يعبّر عنها المالكي، فتقول بالمضي قدماً إلى النهاية وطيّ هذا الملف مرة واحدة». الحسم بينهما رهن الأيام المقبلة.
مصادر من شركاء السر ترى أن «إياد علاوي هو رأس الأفعى. كل مرة يدخل السّنة في الجدار، فيما يفاوض هو من تحت الطاولة. الآن يروج في المنطقة أن أحد الأسباب الموجبة لإسقاط المالكي موقفه الداعم لسوريا».

«السيناريو السوري»

مصادر إقليمية وثيقة الاطلاع ترى أن المعركة الأساس التي تخاض اليوم، ساحتها سوريا، وهدفها إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وفقاً لـ«سيناريو سوري» مختلف كل الاختلاف عن السيناريوات السابقة من تونسي ومصري وليبي ويمني، بعدما ثبت أن تطبيقها مستحيل في عاصمة الأمويين. وتوضح أن السيناريو السوري هذا يقوم على «تمهيد الأرض لانقلاب أبيض يطيح الأسد»، مشيرة إلى أن «تحقيق هذا الهدف يعتمد على أمرين: الأول، إشغال النظام بمعركة استخبارية أمنية شرسة، بينها عمليات مسلحة وتفجيرات واغتيالات، ترفع مستوى التوتر، لكن تبقي الأمور تحت السيطرة من دون الانزلاق نحو حرب أهلية، وذلك لضمان نجاح المشروع.
أما الثاني، الذي يجري بالتزامن، فيتمثّل بتفريغ الحكم من قواعده، من طريق تحالف القوى الداخلية الشعبية، المسمى تحالف الأقليات، عبر صفقات تبرم مع كل فئة من هذه الفئات على حدة، وعلى مراحل وبهدوء، على غرار ربط الأكراد السوريين بمشروع أكراد العراق، وسحب البساط الدرزي من تحت النظام وما إلى ذلك».
وتتحدث التسريبات عن «خطة جارور» أميركية إسرائيلية قطرية تركية، كانت موضوعة عن ضربة عسكرية لسوريا في كانون الثاني المقبل، مع تقديرات بأن يسقط نظام الأسد خلال أسبوعين من بدء العمليات العسكرية. وتضيف أن هذا المخطط سحب من التداول فعل عوامل كثيرة لعل أبرزها المخاوف من ردود الفعل على عملية كهذه، التي يمكن أن تتدحرج إلى حرب إقليمية، فضلاً عن «النجاحات الأمنية في لبنان وطهران ضد أجهزة التجسس الأميركية وأدواتها، والموقفين الروسي والصيني، ودخول الولايات المتحدة في الكوما الانتخابية».

إيران: 2009 مجدداً!

مصادر إيرانية وثيقة الاطلاع ترى أن «هناك عجزاً غربياً عن تحقيق أي سيناريو عسكري ضد إيران. بل هناك اعتراف أميركي بأن أي خيار، حتى امتلاك طهران لقنبلة نووية، سيكون أكثر مقبولية لدى الغرب من خيار شن حرب على إيران. من هنا، ليس أمامه سوى الحرب الاقتصادية، والتدخل في الانتخابات البرلمانية المقررة في آذار المقبل، شيء شبيه بانتخابات الرئاسة في 2009، عبر التحريض على الفتنة داخل أهل الحكم، فضلاً عن تأليب الخليج على الجمهورية الإسلامية عبر تحريك الإيرانوفوبيا».
في المقابل، تضيف المصادر نفسها أن «إيران ستفتح المعركة مع أميركا وعينها على الخليج» على قاعدة التحدث مع الكنّة لتسمع الجارة، مشيرة إلى أنه «غريب أمر هؤلاء الخليجيين، يوم جاء محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة قالوا لنا إنهم لا يريدون معركة مع إيران، لكن واشنطن هي التي تدفع باتجاهها. ولما جئنا لنحاورهم، كشفوا أوراقهم وقالوا إنهم مع الأميركيين في معاركهم في المنطقة. واشنطن تريد أن تفرض توازناً خليجياً إيرانياً بمظلة أميركية. طهران تقبل بهذا التوازن، لكنها لن تسمح بأي مظلة أميركية في الخليج». وتتابع المصادر قائلة إن «الإيرانيين يرون أنهم ربحوا المعركة مع أميركا في البر عبر الانسحاب من العراق والحفاظ على نظام الرئيس بشار الأسد. وربحوا أيضاً الحرب الإلكترونية عبر الرسالة التي بثوها بأسر طائرة الشبح من دون طيار الأميركية. بل إن الإسرائيليين هم من نقلوا عن مصادر أوروبية أن إيران تمكنت من تعطيل قمر اصطناعي أميركي عبر شلّ جميع أجهزته. وحتى المعركة في البحر، سبق أن كشفوا في مناورات سابقة عن صواريخ قادرة على تدمير البوارج الحربية وحاملات الطائرات، وهم اليوم يستكملونها بالمناورات الحالية».
وبمناسبة الحديث عن هرمز، تؤكد المصادر أن «تهديد (نائب الرئيس محمد رضا) رحيمي بإغلاق المضيق، صحيح أنه كان موجهاً ضد الغرب، لكن عملياً كان المقصود منه دول الخليج، والعبرة أننا نمسك بعنقك. أصلاً من طرح حظراً نفطياً على إيران؟ اليابان والصين والهند ترفضه، ومعها طبعاً روسيا، والأوروبيون متريثون. وحدها واشنطن ولندن متحمستان له».




ليلة الاجتماع في منزل الهاشمي

الاجتماع الذي عقد في منزل الهاشمي غداة استكمال الانسحاب كان مفصلياً. قرار تعليق المشاركة في البرلمان كان الشرارة التي فجرت الوضع. الأسباب التي استندت إليها العراقية لاتخاذ خطوة كهذه متعددة، على ما أفاد بيان الاجتماع، بينها «غياب مفردات الشراكة الوطنية داخل العملية السياسية، وضرورة بناء حكومة وطنية قادرة على مواجهة التحديات التي يواجهها العراق استناداً إلى اتفاقات الشراكة التي تمخضت عنها الحكومة الحالية ضمن ما عرف باتفاق أربيل»، و«سياسات الإقصاء والتهميش والتفرد بالسلطة وتسييس القضاء وانعدام التوازن في مؤسسات الدولة وعدم التزام الدستور وخرق القوانين والتعامل بمنهجية القمع وإرهاب الناس، وخاصة في إدارة الملف الأمني» و«التنصل من كل اتفاقات الشراكة وحصر الصلاحيات، وخاصة تلك المتعلقة بالملف الأمني» و«حملات الاعتقال العشوائي تحت حجج واهية وإرهاب مجالس المحافظات ودعم المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة».