«الوضع هنا يشبه نيويورك إبّان ذروة تفشّي الوباء». ذلك ملخّص رسالة سلكت طريقها، من خارج القنوات الرسمية، من السفارة الأميركية في الرياض إلى أروقة الكونغرس. لم يجد مسؤولو السفارة أفضل من صورة «عاصمة الرأسمالية»، التي حصدت حتى الآن أرواح ما يزيد على ثمانية عشر ألف شخص، من أجل وصف حالة البلاد التي يخدمون فيها، في التعامل مع مرض «كورونا». على رغم وردية الصورة التي تحاول المملكة تصديرها، وآخر تجلّياتها إعلان السلطات بلوغها مرحلة التحكّم في انتشار الوباء، إلا أن السعودية لا تزال تُسجّل أسوأ أداء على مستوى العالم العربي في التصدّي لـ»كورونا».

قبل أيام، بدأ عشرات الدبلوماسيين الأميركيين، ومعهم عائلاتهم، مغادرة الأراضي السعودية، بعدما أضحى مجمّع سفارة بلادهم في الرياض بؤرة لتفشّي «كورونا»، في ظلّ تكتّم سعودي وأميركي على السواء. لولا تجرّؤ بعض موظفي السفارة على البعث برسالة إلى الكونغرس كشفوا فيها عن إصابة العشرات منهم بالوباء في شهر حزيران/ يونيو الماضي، لكان السفير جون أبي زيد ووزير الخارجية مايك بومبيو ظلّا على لامبالاتهما بمعاناة موظفيهما جرّاء المرض، الذي فاقت أعداد المصابين به في المملكة قدرة المستشفيات، وفق ما تؤكد الرسالة نفسها. هكذا، اضطر بومبيو، تحت ضغوط الكونغرس، إلى التراجع عن رفضه إجلاء عناصر البعثة الدبلوماسية، ليُصدر أخيراً موافقته على المغادرة الطوعية للموظفين غير الأساسيين.
وفقاً للتحليل الصادر عن السفارة الأميركية أواخر الشهر الماضي، والذي نشرت مضمونه صحيفتا «نيويورك تايمز» و»وول ستريت جورنال» الأميركيتان، فإن استجابة السلطات السعودية للوباء لم تكن كافية، حتى بعد تزايد الإصابات في صفوف عاملي الرعاية الصحية. وفيما رجّحت الرسالة ارتفاع أعداد المصابين في شهر تموز/ يوليو الجاري، فهي حذّرت من احتمال النقص في أسرّة المستشفيات. هذه الصورة القاتمة لا تفتأ الأرقام القادمة من المملكة تصبّ في مصلحة ترسيخها. إذ بعدما تخطّت أعداد الإصابات اليومية، أيام الجمعة والسبت والإثنين، عتبة الـ 4000، للمرة الثانية منذ منتصف حزيران/ يونيو الماضي، كسرت أعداد الوفيات، أمس، حاجز الـ 2000، بإعلان وزارة الصحة بلوغها 2017 مع تسجيل 49 حالة وفاة جديدة.

تفشّى الوباء سريعاً في صفوف العمال الأجانب الذين يُعدّون الفئة الأضعف


منذ ظهور فيروس «كورونا» في السعودية مطلع شهر آذار/ مارس الماضي، بدا أن الأمور لن تكون على ما يرام، في ظلّ اختلاط حسابات السلطات، وعدم اعتمادها استراتيجية بمعايير صحية بحتة. مع تسجيل الإصابة الأولى (المعترَف بها) في صفوف العائدين من زيارة دينية لإيران في محافظة القطيف في المنطقة الشرقية، سارعت الحكومة إلى عزل المحافظة بأكملها ابتداءً من 8 آذار، في ما بدا بالنسبة إلى كثيرين إجراءً ذا طابع سياسي. تأكّد ذلك لدى انخراط المملكة، رسمياً، في حملة هجومية على إيران بوصف الأخيرة مسؤولة عن «تفشّي الإصابة بالفيروس وانتشاره عبر العالم وتشكيل خطر صحي يهدّد سلامة البشرية». اتهاماتٌ ترافقت مع غضّ الحكومة الطرف عن التحريض الطائفي الذي مارسته بعض الوجوه الإعلامية ضدّ أبناء القطيف، بدعوى مسؤوليتهم عن انتشار الفيروس جرّاء مخالفتهم تعليمات حكومتهم بمنع السفر إلى إيران، علماَ بأنهم وصلوا إلى هناك عبر دولة ثالثة (غالباً الكويت أو البحرين). المفارقة أنه في الوقت الذي كانت فيه الرياض تُشهّر بطهران، كانت الاتهامات تأتيها من أنقرة، أواخر آذار، بإخفاء إصابة معتمرين بالفيروس، وفق ما كشفه آنذاك وزير الداخلية التركي سليمان صويلو.
في أوائل نيسان/ أبريل، بدأت الأنباء تتوالى عن إصابة العشرات من أمراء الأسرة الحاكمة بالفيروس. كان ذلك الإشارة الأولى إلى أن الرواية الرسمية لبدء الجائحة قد لا تكون صحيحة أو صادقة. هؤلاء الأمراء كثيراً ما يسافرون إلى أوروبا، ومن المحتمل أن يكون أحدهم قد نقل العدوى إلى بلاده، وفق ما ذكر آنذاك أطباء وأشخاص مقرّبون من أسرة آل سعود لوسائل إعلام غربية. لم تكد تظهر العوارض على كبار الشخصيات حتى كان «مستشفى الملك فيصل التخصّصي»، أحد أهمّ مشافي المملكة، قد وُضع في «حالة تأهّب قصوى» استدعت إخلاءه، فيما صدرت توجيهات بتحويل المرضى، ولو كانوا من الموظفين، إلى مستشفيات من درجات أدنى.
في هذا الوقت، كان الوباء قد بدأ يتفشّى سريعاً بين العمّال الأجانب في المملكة، والذين يُعدّون الفئة الأضعف داخل المجتمع، وقليلاً ما يلتزم كفلاؤهم بتأمين الرعاية الصحية لهم. وعلى الرغم من أن ملك البلاد، سلمان بن عبد العزيز، أمر، نهاية آذار، بعلاج مرضى «كورونا» من المقيمين والمخالفين لنظام الإقامة مجاناً، إلا أن تساؤلات ظلّت مطروحة حول مستوى إقبال هؤلاء على طلب العلاج في ظلّ خوفهم المزمن من العقاب. على أيّ حال، أعادت هذه الأزمة تسليط الضوء على معاناة شريحة تَعدّ ثلث السكان، فيما تكاد لا تحصل على الحدّ الأدنى من حقوقها.
اليوم، تعود السعودية إلى الحياة بعد قرابة 3 أشهر من الإغلاق العام. عودةٌ تبدو محفوفة بالكثير من المخاطر، على رغم كثرة الإجراءات الوقائية التي أقرّتها السلطات، والتي تَمثّل آخرها أول من أمس في المعايير الصحية لاختيار حجاج هذا الموسم الذين قد لا يتجاوزون ألفاً. وكانت المملكة قد أعلنت، أواخر حزيران/ يونيو الماضي، أنها ستقصر أداء الفريضة على عدد رمزي من مواطنيها والمقيمين على أراضيها، ما من شأنه أن يُخسّرها مليارات الدولارت. وهي خسارة تنضمّ إلى لائحة خسائر طويلة لا تزال تتكبّدها البلاد من جرّاء تبعات وباء «كورونا»، والتي جاءت حرب أسعار النفط الأخيرة لتزيدها سوءاً.