مهى زراقط

قبل ذلك بكثير، كانت هدى تحب الأدب وترغب في التخصص فيه. وفي وقت لاحق، مع بدء دراستها الطب، حلمت بافتتاح عيادة للأطفال. لم تحقق هدى الهبري أياً من هذين الحلمين، لكنَّها لم تبتعد كثيراً عنهما. حبها للأدب جعلها تكتب أبحاثها العلمية بأسلوب قصصي مشوّق، كما يقال لها. وحبّها للأطفال جعلها تبحر في عالم البحث عن سبب أمراضهم الدماغية والعصبية من دون الاكتفاء بتقديم المسكّنات. الأمر الأخير كان يتطلّب دراسة ثلاث سنوات إضافية، عدا عن سنوات الدراسة العشر التي سبقتها: طب عام، طب أطفال، تخصّص أعصاب.
أنهت هدى الهبري دراستها الثانوية في ثانوية «خالد بن الوليد ـــــ المقاصد». أصرّت أمها على أن تدرس الطب لأنها كانت متفوّقة في العلوم الطبيعية، فرضخت لرغبتها وانتسبت إلى الجامعة الأميركية عام 1973. أنهت السنتين التحضيريتين، ودرست السنة الأولى طب، في ظروف صعبة اضطرت خلالها، كما كلّ زملائها، إلى النوم في ممرات مبنى العلوم، وأحياناً حماماته، وذلك بسبب الحرب التي استهدفت بنيرانها غرف النوم في الجامعة. صيف عام 1976، كانت الحرب اللبنانية لا تزال مندلعة. أرسلها أهلها إلى أميركا لتمضي العطلة لدى أختها المقيمة في ولاية تكساس. صيف طال كثيراً، حتى صار 33 عاماً. استمرار الحرب وعدم وجود حلّ في الأفق جعلاها تبحث عن مدرسة للطب في أميركا، فوجدتها في «جامعة ميهاري» (ناشفيل) بعيداً عن أختها. تصف هذه المرحلة بالصعبة جداً «وجدت نفسي في سجن، بعيدة عن عائلتي وأصدقائي».
بعد عام لحق بها زميلها، الذي ستتزوجه لاحقاً، وليم الزغبي. كانا قد تعارفا في «الجامعة الأميركية»، فنشأت بينهما مشاعر جميلة. في أميركا درسا معاً، ومع اختيار كلّ منهما تخصّصاً مختلفاً عن الآخر افترقا لبعض الوقت، قبل أن يتزوجا عام 1983. يومها كانت هدى تنهي سنتها الأخيرة في دراسة علم الأعصاب، ومن خلال معاينتها للأطفال، لاحظت أن أمراض الدماغ عندهم صعبة جداً. تقول: «المريض يتعذّب ونحن لا نعرف الكثير عن السبب. نشخّص لكن لا يمكننا المعالجة. الكثير من هذه الأمراض وراثي».
أقسى ما واجهته هدى الطبيبة والأم في هذا المجال، أنَّها لم يكن عليها فقط إخبار الأهل بمرض طفلهم وتقديم التشخيص الطبي لحالته، بل «أنتِ تشخّصين المرض وتقولين للأهل: يمكن أن تتكرّر هذه الحالة إذا أنجبتم طفلاً آخر. كان هذا أمراً صعباً وحزيناً.. وفكّرت بيني وبين نفسي، ما هذا العمل الذي تنقلين فيه الأخبار السيّئة للأهل». لكي تنهي الزغبي هذا الصراع مع نفسها، بحثت عما يمكّنها من مساعدة الأطفال المصابين بهذه الأمراض. «آنذاك، في منتصف الثمانينيات، كانت الأبحاث عن المورّثات قد بدأت تنطلق، لكن لم يكن هناك من وجد بعد أي مورّثة لأي مرض. قررت تعلّم هذه الأبحاث ودرست 3 سنوات إضافية».
لا تنفي صعوبة الأمر، وخصوصاً أنها كانت قد أنجبت طفلتها الأولى، لكنَّ «الأمر يصبح شغفاً. تذهبين كلّ يوم إلى عملك وأنت لا تعرفين ماذا ستكتشفين». في هذه المرحلة أدى زوجها الدكتور وليم دوراً كبيراً في مساعدتها، وكانا قد أنجبا طفليهما، رولا وأنتوني.
في عام 1988، افتتحت مختبراً خاصاً بها zoghbi lab، ووضعت هدفاً رئيساً لعمله: «البحث عن مورّثة «ريت سندروم»، ووجدتها بعد 16 سنة». لكن خلال رحلة البحث هذه، وجدت الزغبي عام 1993 مورّثة مرض «أتاكسيا» الذي يؤثر على توازن الجسم. «هو مرض صعب، يصاب به الناس بعد سن الثلاثين، ويموتون بعد 10 سنين. يزيد من صعوبة هذا المرض احتمال انتقاله بالوراثة بنسبة 50 في المئة».
تضحك الزغبي من سؤالنا عن تعاطفها مع الفئران التي تُجري عليها الأبحاث، وهي التي تكرّر عبارة «عملنا فأرة مصابة بالتوحّد»، «وعملنا فأرة تحمل عوارض الصرع». تؤكد تعاطفها مع 8 آلاف فأرة «تساعدنا على اكتشاف المورّثات والعلاج أيضاً». فهذه الحيوانات الصغيرة هي أول من يتلقّى العلاج، «نجحت تجاربنا في علاج المرض الذي يسبّب فقدان التوازن، لكننا ننتظر تجربته على الإنسان. أما بالنسبة إلى «ريت سندروم»، فنحن نجرّب حالياً عدداً من الأدوية، وننتظر لنرى أيها سينجح».
في مختبر الزغبي، اكتشفت أيضاً المورّثة المسؤولة عن السمع عام 1999. «هذه المورّثة مهمة جداً للصمّ، وخصوصاً أن كثيرين يفقدون سمعهم مع العمر، وهي إذا وضعناها في أذن حيوان وأفقدناه السمع، يستعيده. وتبيّن لنا لاحقاً أنها مسؤولة عن التنفس وتنظيم عمل خلايا الأمعاء، وسيصدر بحث علمي موسّع عن هذه المورّثة ووظيفتها المساعدة في التنفس». الزغبي هي أيضاً عضو منتخب في «الأكاديمية الوطنية للعلوم»، وتكون بذلك أول سيدة عربية تدخل إلى هذه الأكاديمية الأميركيّة الذائعة الصيت.
لم تتردد هدى في إضافة عائلة زوجها إلى اسمها، «رغم حبي الكبير لعائلتي، الهبري، لكنّ أمور الحياة تصبح أسهل إذا كنا كلّنا في البيت نحمل الاسم نفسه». الحب والتفاهم اللذان يربطانها بالدكتور وليم الزغبي أديا دوراً كبيراً في نجاحها العلمي. عندما نسألها من منكما فخور بالآخر أكثر، يقولان في اللحظة نفسها: «أنا فخور به/ها». يضحكان ويحكيان أموراً بعيدة عن العمل، كالطبخ الذي تتقنه، حديقته التي يزرعها، وطبعاً رسائل الحب الأولى التي لا يزالان يحتفظان بها.



5 تواريخ

1954
الولادة في بيروت

1973
الانتساب إلى الجامعة الأميركية في بيروت

1988
افتتاح «مختبر زغبي لعلم المورّثات»

1993
اكتشاف مورّثة مرض الـ«أتاكسيا»

2004
اكتشاف مورثة الـ«ريت سندروم»