منذ سجن زوجها أيمن نور عام 2005، تحوّلت مذيعة التلفزيون والإعلامية المصريّة إلى قياديّة، حاملةً كل الأعباء العائلية والسياسية كمسؤولة عن حزب «الغد»... وخاضت معارك لا تنتهي مع السلطة

مصطفى بسيوني
زوجٌ سجين وحزبٌ محاصَر ومقرٌّ تأكله النار، وسيدة في عقدها الرابع تُطلّ من بين ألسنة اللهب رافعةً في وجه خصومها شارة النصر. تلك كانت جميلة إسماعيل في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عندما هاجم بعض المنشقّين عن «الغد» مقرّ الحزب، مدعومين بحماية الأمن للاستيلاء على المقر.
داخل مقر حزب «الغد» في ميدان طلعت حرب وسط العاصمة، كانت المفارقة واضحة: النيران تركت البصمات السوداء على الجدران. وبانت على كلّ محتويات المقرّ آثارُ كارثة ضربت المكان. رغم ذلك، بقيت مجموعة من شباب الحزب تحيط بجميلة إسماعيل وملامح الإصرار والصبر على وجوههم تزاحم ملامح الإرهاق والتعب.
كان يصعب أن نتخيّل أنّ المذيعة الحسناء التي ظهرت على شاشة التلفزيون المصري في التسعينيات ستعود في مشهد مماثل عام 2008. لقد عرف الناس جميلة إسماعيل مذيعة ناجحة في البرامج الشبابية والرياضية والثقافية وبرامج المسابقات: «لم أستطع توصيل الرسالة التي كنت أتمناها من خلال عملي في التلفزيون بسبب طبيعة التلفزيون المصري. لقد استُبعدت من برامج الهواء بسبب الملفّ الأمني، رغم أنّي كنت الأولى على دفعتي ولم أكن منتمية إلى أي حزب أو تنظيم سياسي لغاية انضمامي إلى حزب الغد». لم يُعرف عنها أي نشاط سياسي في تلك الفترة. حتى خلال حياتها الجامعية، لم تكن منتمية إلى أي اتجاه سياسي، بل اقتصر نشاطها الطلابي على الترشّح لانتخابات اتحاد الطلاب وعشيرة الجوالة (الكشافة). لكنّها أسهمت مع زوجها أيمن نور النائب والقيادي في حزب «الوفد» حينها، في تأسيس جمعية «نور» الخيرية في 1994 وتولت العمل الاجتماعي فيها. وفي 2001، ترشحت لعضوية مجلس الشورى عن دائرة وسط البلد في العاصمة، وصُدمت آنذاك من استخدام البلطجية ضدّ حملتها الانتخابية. كان ترشّح أيمن نور لانتخابات رئاسة الجمهورية هو التحول الأكبر في حياة جميلة إسماعيل. فقد أصبحت زوجة أوّل مرشح جدّي لرئاسة الجمهورية، لكن أيضاً في بلد تُحسم فيه نتائج الانتخابات قبل التصويت. إذ كان معلوماً ــــ بنسبة مئة في المئة ــــ أنّ مبارك هو الرئيس. «كانت تلك إحدى معارك الديموقراطية التي كان يجب أن تخاض. لكنّنا كنّا نعي جيداً أنّ أصوات الناخبين ليست هي ما يحدّد رئيس الجمهورية». لكنّ الترشح لرئاسة الجمهورية بالفعل لم يكن ليمر من دون عقاب... وهو ما حوّل جميلة إسماعيل من زوجة مرشّح الرئاسة إلى زوجة السجين، حاملة مع اللقب كل الأعباء الأسروية ـــ كأمّ وأب لابنين: نور وشادي، ـــ والسياسية كمسؤولة عن الحزب وعن زوجها السجين ومختلف الأعباء الاجتماعية والإنسانية التي نجمت عن وضعها.
جميلة التي كانت في كورال الجامعة في الثمانينيات، وحصلت عام 2000 على جائزة «أفضل مذيعة شارع» في مهرجان الإذاعة والتلفزيون، لم تكن يوماً من القيادات السياسية، لكنّها تصدّت لتلك الأعباء بصلابة فاجأتها هي شخصياً: «في الليل بعد انتهاء يوم طويل بهمومه وأعبائه، لا أعرف ما إذا كنت سأحتمل اليوم التالي. كل ما أفعله أني أنظر إلى أحوال الناس من حولي، مثل المساجين البائسين الذين لا يملكون شيئاً وليس لديهم مَن يوصل صوتهم. الناس البسطاء الذين يعانون من كل أشكال المعاناة، ويصبرون من دون شكوى. عندما أقارن أحوالي بأحوال هؤلاء، أتألّم معهم وأشعر أن ظروفي أفضل بكثير، وأول مبادرة لي بعد خروج أيمن من السجن، ستكون مشروعاً لرعاية زوجات السجناء وأسَرِهم».
بعد سجن أيمن نور، راحت جميلة تعمل على إطلاق سراحه بكل الوسائل المتاحة، رفعت صوته عالياً خارج السجن، كما لو كان حرّاً. لم تترك باباً إلا طرقته، ما جرّ عليها الكثير من النقد وخصوصاً عندما سافرت إلى أميركا للقاء بوش وأعضاء من الإدارة الأميركية، واتهمت بالاستقواء بالخارج.
تردّ على هذه التهمة قائلة: «كنتُ في ذلك أقوم بدوري كزوجة لا كسياسيّة. ليست قناعتي هي ما يحرّكني فقط، بل إحساسي كزوجة وأم يدفعني لئلّا أترك أيّ فرصة ولو كانت ضعيفة أو حتى نظرية لدعم قضية أيمن. سأشعر بالتقصير لو لم أقم بذلك حتى لو لم أكن مقتنعة به. وهذا هو الفارق بين قناعة السياسي وواجب الزوجة والأم. عندما ذهبت إلى أميركا، قلتُ ما أريده، ولا ما يريدون سماعه».
قد يكون المسار الذي سلكته جميلة إسماعيل غريباً بعض الشيء. بدأت طالبةً عاديةً جداً في كلية الإعلام وكانت تُعدّ نفسها لتكون إعلاميةً بارزةً ومذيعةً طموحة في التلفزيون. إلا أنّ المستقبل كان يخبّئ لها مشروعاً آخر، بدأ بالعمل الاجتماعي والسياسي وانتهى بتصادم مع الدولة... وصراع غير منتهٍ لم تُعدّ نفسها له. لكنّ الأكثر غرابة أنها واجهت تلك التحولات الحادة بدرجة مذهلة من الثبات، كأنما تدرّبت عليها طويلاً. وعلى رغم كثرة الأعباء والمسؤوليات وقلّة الحلفاء، لم تقصّر جميلة في أيّ من مسؤولياتها، وقامت على أكمل وجه بالأدوار التي اختارتها الأقدار لها كلّها: الدراسة، الزواج، انتخابات مجلس الشعب، انتخابات الشورى، الترشح لرئاسة الجمهورية، السجن وحتى حريق مقرّ الحزب: «تعلّمتُ وتربّيت على أنّ أي مسؤولية يجب تولّيها بجدية تامة، ربما يعود ذلك إلى جذوري الصعيدية وتربيتي الأسروية التي اتّسمت بالحزم والصرامة، ما جعلني أكثر صبراً واحتمالاً. أذكر دائماً مقولة جدتي: إحنا أحسن من غيرنا». هكذا تفسّر جميلة إسماعيل مقدرتها على التعايش مع الظروف الصعبة والأزمات المفاجئة. وتكفي مراقبة متمهّلة لادائها، كي نتيقّن من أنها تجيد تلك الأدوار التي ألقتها الظروف على كاهلها: بعد سجن أيمن نور عام 2005 على خلفية انتخابات رئاسة الجمهورية ــــ اتّهمه النظام بتزوير توكيلات أعضاء الحزب ــــ تحوّلت جميلة إلى رمز للصمود بالنسبة إلى شباب الحزب الذين التفّوا حولها، وصارت مثَلهم الأعلى، وهو ما تعتبره أكبر دعم تتلقاه وأكبر مسؤولية تُلقى على عاتقها.
لا شك في أنّ بعض الناس يمكنهم اختيار أقدارهم، وبعضهم الآخر تختارهم الأقدار والظروف. لكنّ قلةً من الناس يمكنهم أن يحوّلوا الأقدار خياراً طوعياًَ. جميلة إسماعيل من بين هؤلاء. وجدت نفسها وحيدة مثل أنتيغونا البطلة التراجيديّة القديمة، فلم تتوان عن مواجهة طغيان كريون وبطشه. إنّها المرأة التي «أدخلتها يد الله في التجربة» إذا شئنا أن نستعير بتصرّف كلمات من قصيدة أمل دنقل «سفر الخروج». اختارها القدر لمهامّ لم تختَرها، فحوّلت قدرها إلى اختيار.



5 تواريخ

1966
الولادة في القاهرة
1986
تخرجت من كلية الإعلام في جامعة القاهرة
1992
مذيعة في التلفزيون المصري
2001
ترشحت لعضوية مجلس الشورى. جائزة «أحسن مذيعة شارع» في مهرجان الإذاعة والتلفزيون 2000
2005
زوجة أول مرشح جادّ ضدّ حسني مبارك. سُجن أيمن نور فتولّت قيادة حزب «الغد»
2008
منشقّون عن «الغد» يحرقون مقرّ الحزب بغطاء أمني، فتطلع لهم من خلف ألسنة اللهب رافعةً شارة النصر