حسين بن حمزة
حتى إذا وصلتَ في الموعد المحدد، يُشعركَ أنيس صايغ بأنكَ تأخرت. ذلك لأنّ حرصه على الدقّة يجعله مستعداً للموعد قبل حلوله. كانت الكهرباء مقطوعة في البناية التي يشغل صايغ وزوجته الدكتورة هيلدا شعبان شقةً في دورها السادس. كان الدرج معتماً قليلاً حين فتح لنا الباب. الرجل الذي حاولت إسرائيل اغتياله بطردٍ مفخّخ، ففقد بعض أصابعه ومعظم نور عينيه، يرحب بك ببصيرته الثاقبة وبصره الطفيف. يقودك إلى الصالون حيث يتسرَّب ضوء ما قبل الغروب، جاعلاً الرؤية أوضح. لكن الضوء لا يبدِّد حيرتك. من أين تبدأ؟ وكيف تلخص حياة الرجل المليئة بالإنجازات؟ تنظر إلى حجمه الضئيل، وتقول لنفسك: لا بدّ من أنه شغَّل أكثر من شخصٍ في داخله كي يفعل ما فعله. ثم إنك لا تنجح في إبعاد فكرة أنه واحد من عائلة صايغ الشهيرة التي أصدر عشرة من أفرادها أكثر من مئة كتاب معظمها مشهور. وترأس ثلاثة منهم رئاسة تحرير عشر صحف يومية ومجلات شهرية. وأنه رابع ثلاثة من الصيَّاغ الكبار: يوسف الذي ألَّف عشرات الكتب والدراسات الاقتصادية، وترأس اتحاد الاقتصاديين العرب سنوات عدة. وفايز المفكر والقيادي في الحزب السوري القومي، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لاحقاً. وتوفيق الشاعر، صاحب مجلة «حوار» التي طبعت الستينيات.
ولد أنيس صايغ في طبريا الفلسطينية لأب سوري كان قسيساً إنجيلياً، وأم لبنانية من البترون. كان الإخوة يدرسون في الجامعة الأميركية في بيروت ويعودون إلى طبريا. بعد النكبة، نزح صايغ مع العائلة إلى لبنان. استعاد جنسيته اللبنانية عام 1958 ثم جنسيته السورية عام 1973. الانتماءات الثلاثة جعلت الإخوة قوميين سوريين بالولادة. يوسف وفايز كانا عضوين في الحزب. أما هو فكان واحداً منهم من دون عضوية رسمية. لم يكتفِ أنيس صايغ بهوياته الثلاث، فزادها بزواجه من أردنية. يضحك حين تقول له إنّه جمع مجد الحزب القومي السوري من أطرافه.
أراد صايغ أن يدرس التاريخ، لكن الجو السياسي والحزبي المحموم في الجامعة الأميركية، وتزامن ذلك مع نكبة فلسطين، أوقعه في فخّ السياسة. صايغ الذي سيرافقه شعور بالندم على ذلك، سيجمع لاحقاً بين شغفه بالتاريخ وتخصّصه في السياسة من خلال عمله مديراً لمركز الأبحاث الفلسطيني والموسوعة الفلسطينية. قبل ذلك، سينشر، طالباً، مقالاته التاريخية الأولى في جريدة «الحياة»: «كنتُ أذهب مع هشام أبو ظهر إلى مكاتب «الحياة» في «الخندق الغميق»، وننتظر خروج صاحبها كامل مروّة. ندخل ونسأل عنه فيقول لنا البواب إنه غير موجود، فنترك المقال على مكتبه. كنتُ أخاف أن يكتشف أني لا أزال طالباً صغير السن، يكتب في موضوعات أكبر منه. مرة أُعجب بمقالاتي وأضاف لقب «الدكتور» إلى اسمي. وحين أوضحتُ له في مقالة لاحقة أني ليس دكتوراً، استمر بمنحي اللقب ظانّاً أنّي أتواضع، إلى أن هاتفه أستاذي نقولا زيادة غاضباً ومستنكراً، فعاد اسمي من دون اللقب الفخري».
بعد التخرج (1953) حتى التحاقه بجامعة «كامبردج» (1959) كتب في «النهار» و«الأسبوع العربي». في تلك الفترة، أصدر كتابه الأول: «لبنان الطائفي». ثم ابتعد عن القوميين وصار ناصرياً. نشر كتباً أخرى وعمل في تحرير عدد من الموسوعات والقواميس، قبل أن يبدأ مشروع حياته. في عام 1966، وصلته ــــ وهو في لندن ــــ برقية من شقيقه فايز الذي كان قد أسس مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية أوائل عام 1965، يطلب منه الاجتماع مع أحمد الشقيري، رئيس المنظمة وقتها، للبحث في مشروع سبق أن تحدث معه بشأنه وهو إصدار موسوعة فلسطينية. قدم فايز استقالته، وكُلِّف هو برئاسة المركز والعمل على إنجاز الموسوعة معاً. طوال عشر سنوات، استأثر المركز بكل طاقته ووقته ووجدانه، فضلاً عن ترؤسه لتحرير مجلة «شؤون فلسطينية» التي أسّسها عام 1971. صار المركز أنيس صايغ، وصار هو مركز الأبحاث. يضحك وهو يستعيد مخاطبة الوزير السابق فاروق البربير له في ندوة تكريمه بـ«عزيزي أنيس مركز الأبحاث».
كان مركز الأبحاث أهم إنجاز ثقافي فلسطيني. هناك عمل وتدرّب عشرات المثقفين والكتاب الذين يعتبرون مرورهم بالمركز لحظة تاريخية ومفصلية في مسيرتهم الإبداعية الشخصية. مع المركز ــــ و«مؤسسة الدراسات الفلسطينية» ــــ تحولت القضية الفلسطينية من مسار عاطفي خطابي، إلى مسار علمي موضوعي وموثَّق. وهو ما يفسر اعتداء إسرائيل ثلاث مرات عليه في النصف الأول من السبعينيات، ثم احتلاله عام 1982 وسرقة وثائقه ومعظم مكتبته، ثم تفجيره عام 1983.
لعلّها من سخريات النضال الفلسطيني أنّ المركز تعرَّض لمضايقات وتدخلات من قائد هذا النضال، الرئيس ياسر عرفات. في آخر تدخُّلٍ من أبو عمار، أقفل صايغ الهاتف في وجهه، وقدّم استقالته.
يقول صايغ: «بعد تعاظم سمعة المركز فلسطينياً وعربياً وعالمياً، راح عرفات يُبدي اعتراضه على استقلالية المركز، ويحاول السيطرة عليه بالتهديد والتحريض والضغط. في النهاية، نجح في قتل المركز والمجلة. وفي أوسلو سقط القناع نهائياً عن وجه عرفات وعن وجوه معاونيه وحاشيته. كان لا بدّ من شطب النضال الثقافي لتحقيق الاستسلام السياسي». تقول له إنّ كثيرين لم يحبِّذوا أن يوثِّق تجاوزات أبو عمار في فصل كامل من مذكراته. يجيب: «أنا لم أوثِّق بل كتبت ما كان يحدث. الذين احتكّوا بعرفات يعرفون قصصاً أسوأ مما حدث لي. المؤسف والخطير أنّ هؤلاء حوّلوا ذلك إلى نوادر ودعابات».
بعد استقالته، أسس مجلتَي «المستقبل العربي» و«شؤون عربية» وترأس تحرير «قضايا عربية». دُعي للعمل في مراكز ومؤسسات بحثية عدة. كتب في الصحافة. أسس «اللقاء الثقافي الفلسطيني» الذي لا تزال جلساته مستمرة حتى اليوم. لكن كل ذلك لم يملأ الفراغ الذي تركه موت المركز في حياته.
في شقته التي لا تزال بالإيجار، تأتيه أحلام متكرّرة يحوم فيها حول بيت العائلة القديم في طبريا ولا يدخله. يخبركَ بأنّ مستوطناً يهودياً جاء من الصين وحوّل بيتهم مطعماً للسمك. ثم يضيف بأسى: «التقيت بمطران القدس للبروتستانت في بيروت قبل أيام، فأخبرني أنه تغدّى في بيتنا قبل فترة ووعدني بإحضار صور له».
أحلام العودة تُذكِّره بأمكنته الأولى، وبحلم إنجاز كتاب العمر عن طبريا. يتنهَّد ويقول: «لا أظن أن حق العودة سيتحقق في الأيام الباقية لي. أما الكتاب فلن يرى النور لأن عينيَّ لن تساعداني على عمل كبير كهذا». يروي شفيق الحوت المقتلع من يافا أنّ ابنته سألته: لماذا يتحدّث عمّو أنيس كثيراً عن جمال طبريا؟ فأجابها: لأنه لم يرَ يافا». الحوت قال ذلك على سبيل الدعابة، لكن الشجن الغائر تحت هذه الدعابة يوحي بأنّ لكل فلسطيني حكاية مع مسقط رأسه. وهذه هي حال أنيس صايغ مع طبريا التي وصفها في مذكراته بـ«سيّدة المدائن».



5 تواريخ

1931
الولادة في طبريا

1953
تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت، ثم جامعة كامبردج عام 1964

1966
أدار «مركز الأبحاث» في منظمة التحرير الفلسطينية طوال عشر سنوات، وأطلق «الموسوعة الفلسطينية» التي صدر منها أحد عشر مجلّداً. وترأّس تحرير مجلة «شؤون فلسطينية» عام 1971.

1992
مؤسس اللقاء الثقافي الفلسطيني الذي لا يزال يُعقد حتى اليوم في نادي متخرّجي الجامعة الأميركية في بيروت

2007
أصدر مذكّراته بعنوان «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» عن دار الريس