غسّان سعود

قبل أقلّ من ربع قرن، كان المنزل في بلدة غدراس الكسروانيّة يتألف من غرفتين صغيرتين تقصده العائلة صيفاً لترتاح من صخب الأشرفية وحرّها. اليوم، صار المنزل فيلّا ناعمة الأثاث، غنيّة بالتحف الأثريّة، تطلّ بحجارتها البيضاء وحوض السباحة والحديقة الصغيرة على كسروان كلها. وصار الشاب الذي صرف العمر متنقلاً بين قصور الزعماء، رجلاً ستينيّاً يجلس إلى شرفته مستجمعاً ذكريات كثيرة وقصاصات، تختصر جزءاً من تاريخ لبنان الحديث. هذا التاريخ الذي يكتبه كريم بقرادوني اليوم، سيأتي مشابهاً لشخصيّته: يرضي ناساً كثراً ويغضب ناساً كثراً... لكن أحداً لن يجد له بديلاً.
بلغ بقرادوني اليوم سنّ التقاعد، لكن عدم ذهابه إلى مكتبه يومياً، ومنه إلى قصور العدل لا يعني عدم الحفاظ على المستوى الاجتماعي الذي يصله المرء ويصبح صعباً عليه التراجع عنه. من هنا، فإن أكثر ما يتطلّع إليه المسؤول الإعلامي السابق في «القوات اللبنانيّة» هو الراحة المادية، للتوقف عن ممارسة المحاماة والتفرّغ للكتابة. لقد اتفق مع منى (زوجته) ألّا يسمحا للاجتماعيات بأن تأكلهما. حافظا على حلقة ضيقة من الأصدقاء معظمهم غير ناشطين سياسياً. يسهران مرة في الأسبوع، والأحد موعد «الجمعة اللبنانية التقليدية» بين العائلة والأصدقاء. أما السعادة، بالنسبة إليه، فلأنه جدّ. ويستفيض في الحديث عن كيفية تمضية الوقت و“أنت تتفرّج على أحفادك يلعبون، أو كيف تلعب معهم”. بعينين متّقدتين، يردد قول فيكتور هوغو l'art d'etre grand père (فنّ أن تكون جداً)... مشيراً إلى أن سعادة الجدّ تقوم أساساً على التمتع بالأولاد من دون حمل همّهم.
يقول KP، كما تسميه اللافتات التي تدل على منزله، إنه لا يحب الرياضة. وهوايته الوحيدة فرضت عليه لأسباب صحيّة وهي المشي، إذ كان يواظب عليها جيداً في حرج بيروت: أمتع مكان للمشي. ويعترف بقرادوني، على المستوى الروحاني، بأنه متأثر بالتربية اليسوعيّة، من هنا اعتقاده بأنّ الله ليس غريباً. لذا يؤمن ويصلّي، لكنه لا يحب الطقوسيّة، ولا يذهب إلى الكنيسة إلا مرتين في العام: في مناسبتَيْ الفصح والميلاد.
لكن لنعد إلى السياسة. كيف ينظر الرجل اليوم إلى مستقبله السياسي؟ هل هناك حياة (سياسيّة) بعد «حزب الكتائب» الذي استقال منه، وكان قد تنحّى عن رئاسة الحزب، ليعيده إلى آل الجميّل. يطمئننا كريم بقرادوني إلى أنّه أبعد ما يكون عن الاستقالة من الحياة السياسيّة. ولديه في هذا المجال نظريّات متينة حول طريقة ارتقاء سلّم النجاح». لأنه يرى أن الهابطين بالمظلّات، لا يعمّر نجاحهم طويلاً». هنا يستعيد نظرية ابن خلدون الشهيرة عن الأجيال: الأوّل هو الباني، والثاني هو الموسّع والثالث هو المستسهل والمدمر، قبل أن يستدرك أن تجربته كانت مميزة مع الجيل الأول، حيث «متعة الصناعة» سواء في الكتائب أو في القوات «التي أطلقناها من شربوكة لا نعرف علاقتها المفترضة ببيار الجميل أو بكميل شمعون، ونجحنا بشكل عظيم».
أما اليوم، فالنظرية القديمة لم تعد تصحّ ـــــ بحسب السياسي الأرمني الذي ترأّس أعرق حزب ماروني ـــــ إلا على الوزير سليمان فرنجية والنائب وليد جنبلاط اللذين وسّعا قاعدتهما وكانا بمستوى «التركة». ويأسف لقيام الجيل الثاني بقضم شخصية الجيل الثالث عبر تكبير طموحاته أكثر من الواقع بكثير. فهو يتفهّم أن السياسي بعائلته ويسعى إلى إنجاح ابنه... لكن ما لا يستطيع قبوله، هو فرض الابن الذي تنقصه الجدارة، على المؤسسة فرضاً. ورجل مثل بقرادوني، لا مفرّ من أن يحيل هنا إلى تجربته الخاصة، مشيراً إلى صعوبة صناعة الاسم، والصعوبة المضاعفة في حمل الاسم. أما الأصعب فهو وراثة الاسم.
ويسترجع الرجل الذي صنع نفسه بنفسه، «أول طلعته». بعد انتسابه إلى حزب الكتائب بعام واحد فرض مع مجموعة رفاق على قيادة الحزب استحداث مصلحة طلاب الكتائب. وبرعاية منظّم «حزب الكتائب» جوزف شادر، ومفكره موريس الجميّل، ثبت الطلاب أنفسهم، وظهروا بمظهر القوّة المتحركة التي جمعت المجتمع المسيحي كله حول قضايا كان يتجاهلها مثل الجامعة اللبنانيّة مثلاً. وهذه الحركة الطالبية هي التي فرضت على القيادة الحزبية الاهتمام بالشباب، علماً بأن موريس الجميل كان أباً لسبع بنات، يفتقد الابن، فصار بقرادوني بمثابة ابنه. وهذا الابن الذي كان يلتقي مع مبادئ «الكتائب» في قضايا الاستقلال والسيادة، كان «يجنح» صوب طرح اليسار في المسائل الاجتماعية. يختصر تلك المرحلة، بقوله: «كان عقلي مع اليمين وقلبي مع اليسار».
هذا اليسار كان مستعداً لتسلّم السلطة لو حصلت الانتخابات عام 1976، بعد إثباته نفسه بقوة في انتخابات 1972. هذه هي قراءة بقرادوني الذي يمضي في تقويمه: الحرب دمّرت اليسار بسبب خياراته الخاطئة واهتمامه بالخارج أكثر من الداخل، ودمرت كل الحركات الإصلاحيّة في الأحزاب. فخرج اليسار من الحرب من دون قضيّة، بموازاة صعود يمين رأسمالي قوي سحب من اليسار معظم مفكّريه. ثم يبتسم قائلاً إن اليسار لم يجد بعد مَن يعيد تكوينه، أما هو فيعمل على إعادة تكوين اليمين المسيحي عبر ورقة إصلاحيّة (قُدّمت في اللقاء المسيحي الوطني) تستند إلى عنوان: «توسيع القاعدة يوسع الأفق».
كريم بقرادوني يرى أنه اليوم «يكمل ما بدأه». فمن جهة يهتم باللقاء المسيحي، ومن جهة أخرى ينهي إعداد كتاب عن عهد الرئيس إميل لحود. وهذه التجربة في التأريخ بدأها في كتابه «السلام المفقود» الذي يشتمل على معلومات غيّبها الرؤساء: بشارة الخوري، كميل شمعون وشارل حلو في كتبهم، مكتفين بعرض ما يعرفه معظم الناس. ويتذكّر هنا أنه كان يجد صعوبات في الحصول على معلومات من الشيخ بيار الجميّل مؤسس «حزب الكتائب»: «بعد كل زيارة كنت أقوم بها إلى سوريّا مثلاً، كان يصرّ على الاطّلاع على أصغر التفاصيل، أما هو فكان يعود من سوريا مكتفياً بالقول إن الزيارة كانت جيدة، من دون أيّة معلومة إضافيّة».
لكن كيف ينجح بقرادوني دائماً في التقرّب من زعماء المسيحيين؟ «إنهم يقدّرون أولاً التزامي الدائم بعدم تسويق نفسي، ثم يختبرون رؤيتي الجيدة للأمور وطريقتي في دعم القراءة التحليليّة بقرارات وأفعال. أكتفي بالنقد مثل معظم المستشارين، بل أقدم مقاربة واقعية لمعالجة المشكلة». وهنا يقول صاحب خبرة النصف قرن إنه لا سياسة من دون رؤية، تتحوّل إلى مشروع... والسياسي غير المثقف لا يستطيع الاستمرار.
لكن أين فشل «ثعلب السياسة»؟ «طبعاً حزب الكتائب كان الفشل الأكبر». ويستدرك شارحاً وجود تيارين كبيرين، أحدهما محافظ يريد تجميد الأمور كما وصلته، وآخر ثوري يريد تغيير الأمور دفعة واحدة. أما هو فكان دائماً بين التيارين، إصلاحي، يريد تغيير الأمور تدريجاً. وخلال 49 عاماً لم يترك وسيلة لإصلاح «حزب الكتائب» إلا جرّبها، لكنه فشل في نهاية الأمر. وبرأيه أن كل الانتفاضات التي حضرها في «حزب الكتائب» و«القوات» كان سببها انعدام الديموقراطيّة. خاتماً حديثه بالتأكيد أنّ أبرز عيوب الأحزاب اللبنانيّة هي عدم ديموقراطيتها. ومشيراً إلى أن الوراثة مشكلة فظيعة، إذ لا يمكن أبداً الجمع بين الديموقراطية والوراثة. وخصوصاً حين يكون الوارث غير جدير. «ما زالت العائلية أقوى من الديموقراطيّة وهي أساس تخلّفنا السياسي»...



5 تواريخ

1944
االولادة في بيروت من أبٍ أرمني (لبناني) وأمّ لبنانيّة
1966
إجازة في الحقوق من جامعة القدّيس يوسف للآباء اليسوعيّين
2001
انتخب رئيساً لحزب الكتائب اللبنانيّة الذي انتسب إليه في عام 1959
2003
وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية (حتى الـ 2004)
2008
الاستقالة من حزب الكتائب