نبوخذنصر الثاني مرّ في قرية بريصا الهرمليّة وكتب على صخورها أطول نقش بابلي في العالم. 1400 سطر تخبر عن الفاتح وبلاده وكتابات شوّهها اليوم أحدهم بعدما كتب على صخرها الطريّ كلمة عذاب


جوان فرشخ بجالي
بريصا، قرية صغيرة في منطقة الهرمل لا يعرف بها إلا سكان المنطقة والاختصاصيون في الكتابات المسمارية البابلية. هناك على الطريق المؤدية الى غابة وادي الشربين، حفر الفاتح البابلي نبوخذنصر الثاني اسمه على أكبر لوحتين عرفتهما الحضارة البابلية.
تشرح روسيو داريفا العالمة في الكتابات المسمارية البابلية أن «البابليين عادة ما كانوا يتركون كتاباتهم على ألواح طينية، لكن في لبنان خلّدوا ذكراهم على الصخر في ثلاث مناطق: نهر الكلب، القبيات وبريصا.
تتميز نقوش بريصا عن الأخرى بأنها أفضل منها حالاً من حيث المحافظة وإمكان قراءة الكتابة التي هي الأطول في العالم. 1400 سطر يخبر فيها الفاتح عن بابل، وبورصيبا، وآلهته والتعبد لهم، ويخبر أيضاً عن الأراضي المكتسبة حديثاً وخصوصاً لبنان. واختيار بريصا لحفر هذه الأسطر ليس صدفة. فهذه الطريق لا تقطعها ثلوج الشتاء وتبقى صلة الوصل بين سهل البقاع وشاطئ لبنان الشمالي، إنها طريق التجارة الدولية في تلك الفترة. لذا، من الطبيعي أن يحفر هذا الفاتح الذي عاش بين 605ــ562 قبل الميلاد وخلد اسمه ورسمه على صخور هذه الجبال. الدور الأول لهذه النقوش هو تخليد ذكراه، وثانياً ليتذكر كل مارّ من هناك أن نبوخذنصر الثاني هو الحاكم الناهي في هذه المنطقة. فالدعايات السياسية كانت تتم على هذا الشكل في تلك الفترة».
وتعتقد داريفا أن النقوش المسمارية المصورة في بريصا تبرز الصورة الحقيقية لاحتلال الفاتح البابلي جبال لبنان. فهو يبحث عن خشب الأرز ويشق الطرقات ليصل إليه، وهنا ترجمة غير رسميّة للنقوش:

يجب تنظيف الموقع وإزالة الحشائش التي تفتت جذورها الصخر
«لقد (قمت) بما قام به ملك سابق: قطعت الجبال العالية، وسحقت صخورها، فتحت فيها ممرات، وشققت الطرق لنقل الأخشاب الى الملك مردوك. خشب أرز صلب وطويل، جماله خلاب (...) غلة ضخمة من لبنان، لقد جمعتها مثل القصب وعطر الأراتو (وهو نهر متفرع من الفرات)، ووضعتها في بابل مثل حور نهر الفرات. أسمح لسكان لبنان أن ينعموا بمراعٍ آمنة، لم أسمح لأحد بأن يخيفهم. ولكي لا يقمعهم أحد وضعت صورة أبدية لنفسي كملك يحميهم. لقد بنيت... لقد وضعت... لقد وحّدت الشعوب المنشرة في كل الأراضي، وكتبت كتابة على ممرات الجبال وأنشأت رسماً لصورتي الملكية ليبقى الى الأزل».
المحزن بالنسبة إلى هذه النقوش الفريدة من نوعها في العالم أن أحد المعذبين على الأرض قرر أن يخلد حالته النفسية. فتوجه الى النقوش البابلية وخطّ بالحبر فوق اسم نبوخذنصر وعلى اللوحتين كلمة «عذاب» بالأحرف اللاتينية. فكانت النتيجة تشويهاً كاملاً للموقع الأثري. وهذا ما حثّ الدكتورة داريفا التي هالها المنظر أن تبحث في بلادها عن تمويل لتنظيف اللوحات، وحصلت عليه وبدأت بالتعاون مع المديرية العامة للآثار العمل على تنظيف الواجهة. فعينت المديرية العامة فريقاً من مكتب «Conservation» المتخصص بالترميم وبدأت البعثة عمليّة تنظيف الكتابات المسمارية.
وتكشف إيزابيل سكاف، مديرة بعثة التنظيف، أن «المشكلة تكمن في أن نوعية الصخر صعبة لكونه يتفتت بسرعة، والكتابة الجديدة أنجزها فاعلها ببخّاخة (spray)، فامتص الصخر الطلاء، ونحن عملنا على إزالة جزء كبير منه، لكننا توقفنا تماماً حينما بات الخطر يهدد الكتابة المسمارية».
وتؤكد سكاف أن الكتابة الجديدة ستزول مع الوقت وتختفي، ولكن برأيها تلك هي أقل المخاطر المحدقة بالكتابة المسمارية. وترى ضرورة «إتمام دراسة هيدروجيولوجية للموقع لمعرفة كيف يتفاعل الصخر تماماً مع المياه، وإن كانت هذه المياه تتخزن في داخله وتهدد الكتابة من الداخل. ويجب أيضاً تنظيف الموقع، وإزالة الحشائش التي تفتت جذورها الصخر، وإبعاد الأتربة عن الكتابة لحمايتها من الرطوبة».
حماية النقوش البابلية في بريصا لا تزال في أول الطريق. الخطوة الأولى أتمّتها العالمة الإسبانية، وهي قراءة النقوش وترجمتها، وستنشر هذه المعلومات العلمية في مجلة بعل التي تصدرها المديرية العامة للآثار. لكن تبدأ الآن الخطوة الثانية، ألا وهي تأهيل الموقع ويجب أن يُنجز ذلك بالتعاون والتنسيق مع أهالي القرية الذين سيؤمّنون أفضل حماية له. فهذه الكتابات النادرة في خطر، ولا سيّما خطر المعذبين والجهال!


القطاع الخاص يدفع للمحافظة على الآثار في إيطالياالكولوسيوم هو المسرح الروماني الكبير الذي يتوسط العاصمة الإيطالية والذي أنهى تشييده الإمبرطور تيتوس في القرن الأول للميلاد، وكان قد شهد في عصر الإمبرطورية الرومانية عروضاً عامة دموية، منها قتال المصارعين ومعارك بحرية وهمية وعروضاً للحيوانات. ويعدّ الكولوسيوم من أشهر آثار العالم القديم والمبنى الذي يختصر هوية روما، لكنه يعاني من سنوات نقصاً هائلاً في عملية الترميم، فبات 35 في المئة منه فقط مفتوحاً أمام الجماهير. لذا، يعتبر فرانشيسكو جيرو وكيل وزارة التراث في إيطاليا التي تدير المبنى مع المجلس البلدي في روما «انها تجربة رائعة. وإذا تم العمل بحسب الخطة المرسومة فسيكون الكولوسيوم بحلول 2013 سليماً من أعلاه إلى أسلفه، والأهم من ذلك أنه سيكون مهيّأً بالكامل للزوار».
تجدر الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي تحاول فيها دولة إشراك القطاع الخاص للمحافظة على الآثار والتراث. ففي مدينة بومباي الرومانية التي دمرها بركان فيسوف، باتت المحاولات لإشراك القطاع الخاص في مرحلتها النهائية من المفاوضات لمعرفة ما هي حقوق الإعلانات التي ستعطى لهم. والسبب الأول في اللجوء الى القطاع الخاص يعود الى الوضع السيئ للقطاع المالي في إيطاليا التي تُعد واحدة من أبرز الدول الأوروبية التي تأثّرت بالأزمة الماليّة العالميّة واضطرت الحكومة الى التحول نحو مستثمرين من القطاع الخاص لسد فجوة قدرها 25 مليون يورو (32 مليون دولار).
وينظر العالم اليوم الى التجربة الإيطالية الجديدة مع القطاع الخاص باهتمام مفرط، ولا سيما أن الدول الكبيرة باتت تبحث عن طرق جديدة لتخفيف كلفة ترميم المباني الأثرية وتأهيلها. وكانت الحكومة الإيطالية قد بحثت عملية تخصيص إدارة المتاحف العامة، وسعت إلى تقليص عدد الموظفين وتحسين الأداء في تلك الإدارات التي تعاني خمولاً. ولكن أثناء التنفيذ، توصّلت الدراسات والآراء إلى القول بإدخال القطاع الخاص من باب الترميمات.