منذ اجتياح العراق سنة 2003 ونزف القطع الأثرية مستمر. بالنسبة إلى تجار الآثار في العالم، اللغز كان اختفاء القطع وعدم عرضها في الأسواق العالمية. العراقيون كانوا يؤكدون أنها تباع في تل أبيب، وبقيت تلك اتهامات حتى اعترفت بها السلطة الإسرائيلية


جوان فرشخ بجالي
لطالما كان سوق الآثار يطمع بتحف حضارات ما بين النهرين، وخاصة أنها كانت بعيدة عنه بسبب القوانين العراقية الصارمة، ولكن ضيق الخناق على الشعب في الحصار الذي فرض سنة 1991 غيّر مجريات الواقع، وبدأت عملية التهريب التي ازدادت كلما ساء الوضع الأمني. فمع الاجتياح بات التهريب عمولة سهلة، وبات التجار أحراراً يجوبون العراق كأنها ديارهم وحوّلوا المواقع الأثرية الى مناطق منهوبة. ولكن، كان السؤال أين هي تلك القطع؟ الجواب أتى من خلال تصاريح الوزراء العراقيين الذين أفادوا أكثر من مرة بأن «الآثار العراقية تباع في مزادات علنية في إسرائيل» من دون إعطاء أي إثبات على هذا الموضوع. ولكن المنشورات العلمية التي قام بها عالم الآثار الاختصاصي في موضوع بيع الآثار غير القانوني أكدت أن زيادة عملية البيع عبر الإنترنت كانت لأكثر من 200% في السنوات الماضية من دون أن يستطيع تحديد جهة البيع. وبحسب تقرير صحافي بثه موقع «الجزيرة نت» اعترفت فيه دائرة الآثار الإسرائيلية بوجود كمية كبيرة من الآثار العراقية المسروقة في إسرائيل جرى تهريبها منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وأبدت استعدادها لإعادتها إلى سلطات بلاد الرافدين مباشرة أو بواسطة جهة ثالثة. وكانت الناطقة بلسان سلطة الآثار الإسرائيلية، يولي شفارتس، قد أشارت إلى أن عشرات القطع الأثرية وصلت في السنوات الماضية من العراق إلى إسرائيل وهي تعود إلى حقب تاريخية مختلفة. وزعمت أن هذه الموجودات الأثرية دخلت البلاد بطرق قانونية من خلال استيرادها بالأساس من لندن ودول أوروبية من قبل تجار بحوزتهم تراخيص استيراد قانونية. وتجدر الإشارة الى أن الاتفاقات الدولية تعد الاتجار بالآثار العراقية ممنوعاً. فاتفاقية لاهاي 1958 تحظر الاتجار بالقطع الأثرية خلال فترات النزاع المسلح، ويعتبر العراق في حالة حرب منذ 1979، وقبل ذلك التاريخ كان ولا يزال الاتجار بالآثار ممنوعاً في بلاد ما بين الرافدين ويعاقب بالشنق. لذا، كل القطع الأثرية المعروضة في السوق هي إما مزوّرة أو مسروقة من العراق. وفي هذه الحال يحق للعراق استردادها إذا ما قدم دلائل حسية على ملكيتها. هنا، تحاول شافرتس «تبييض» سجل سلطة الآثار والتجار الإسرائيليين عبر تأكيدها تقديم «عشرات الصور للقطع العراقية للشرطة الدولية (الإنتربول) طالبين منهم التأكد لدى السلطات العراقية عن حقوق ملكية هذه القطع.

إسرائيل تعتبر دخول الآثار قانونياً اما الاتفاقات الدولية فتؤكد العكس
وفي انتظار التقارير التي لن يتجاوب معها العراق إلا إذا ما تمت عبر وسيط دولي مثل منظمة اليونسكو، تحتفظ السلطة الإسرائيلية بهذه القطع التي (بحسب القانون الإسرائيلي) يمكن اعتبارها بمثابة مقتنيات مالية للدولة العراقية تحفظ في خزائن الدولة العبرية!
يبقى التساؤل عن كيفية وصول تلك القطع الى إسرائيل. ترجح شفارتس أن هذه الآثار «تباع في الأسواق الحرة في دول الخليج وخاصة في إمارتي أبو ظبي ودبي، ومن هناك تشحن إلى مخازن مؤقتة في أوروبا وخاصة لندن قبل إرسالها الى تجار في إسرائيل». وقد يكون ذلك الأسلوب ممكناً، وخاصة أن بعض التقارير الصحافية كانت قد أفادت عن توقيف عمليات تهريب لقطع أثرية من مطار دبي، ولكن لا يجب تناسي الواقع الجغرافي، فالحدود الإسرائيلية ـــــ الأردنية أقرب والتعامل عبرها أسهل، وطرق التهريب من العراق إلى الأردن لم تعد تتوقف على الآثار.
أما عن اهتمام الإسرائيليين بآثار حضارات ما بين النهرين فيعود إلى أسباب دينية. بحسب التوراة، أتى النبي إبراهيم الى بلاد كنعان من مدينة أور الكلدانية التي حددها علماء التوراة في مدينة أور الواقعة في جنوب العراق رغم وجود 7 مدن غيرها تدعى أور.وهناك أيضاً أسباب دينية سياسية أخرى، فاليمين المتطرف لا يزال يعتبر عملية سبي اليهود الى بابل بمثابة إهانة يجب عدم التغاضي عنها. لذا فكل عملية شراء قطع تأتي على ذكر اليهود في بابل أو ترمز إليهم بمثابة ثأر لماضٍ ولّى ولكنّه لم يمت. فحربهم مع بابل طويلة الأمد.