ستيفن زونس*

يبدو أنّ إدارة أوباما والقيادة الديموقراطية في الكونغرس ستستمران في السياسة التي اتّبعتها إدارة بوش في تجاهل وإدانة كلّ من يجرؤ على التبليغ عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي من قِبل الولايات المتحدة أو حلفائها. المثال الأخير على ذلك هو في ردّة فعلهم تجاه بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، التي ترأسها القاضي المرموق ريتشارد غولدستون من جنوب أفريقيا.
غولدستون، الذي يتمتع بسمعة كشخص عادل وموضوعي، والذي قاد التحقيق في جرائم الحرب في يوغوسلافيا ورواندا، هو يهودي صهيوني ومناصر قديم لإسرائيل. رفض التفويض الأصلي الذي كلفه به مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الداعي للتركيز فقط على خروقات إسرائيل لحقوق الإنسان، وطالب، بنجاح، بتوسيع التحقيق ليشمل تصرف طرفي النزاع.
تضمن تقرير لجنة غولدستون ذكر خروقات عدّة من جانب حماس لقوانين الحرب، منها هجماتها الصاروخية على إسرائيل، تعذيبها لأخصامها الفلسطينيين، واستمرار احتجازها الجندي الإسرائيلي المخطوف جلعاد شاليط. انتقاد حماس في التقرير كان يمكن، على الأرجح، أن يكون أكبر وأشد لو وافقت إسرائيل على مقابلة اللجنة والسماح لأعضائها بزيارة إسرائيل.
ما أغضب إدارة أوباما وديموقراطييّ الكونغرس هو ما تضمنه التقرير عن أنّ الهجمات العسكرية الإسرائيلية على غزة كانت «غير متجانسة ومصممة لمعاقبة المدنيين وإهانتهم وترهيبهم»، وذكره اعتداءات قاتلة على مدارس، مساجد، منازل، ومؤسسات ليست أبداً قريبة من أهداف عسكرية مشروعة...
عوضاً عن تحدي مضمون صفحات التقرير الـ575 المؤرشفة بدقة، قالت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سوزان رايس إنّ لدى بلادها منذ فترة طويلة «مخاوف جدية جداً» من التفويض الذي منحه مجلس حقوق الإنسان لغولدستون. ووصفت رايس التفويض بأنّه «غير متوازن، منحاز، وغير مقبول»، متجاهلة أنّ التفويض الأساسي أبطل منذ فترة طويلة بواسطة توجيه متوازن. انتقدت رايس خاصة توصيات التقرير بإحالة الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يشتبه بتورطهم في جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، وقالت «نحن نعتقد أنّه يجب علينا التركيز على المستقبل». رغم أنّ رايس أعلنت قبل أشهر خلال نقاش في الأمم المتحدة بشأن دارفور إنّه يجب عدم التضحية بمحاكمة مجرمي الحرب لأسباب سياسية، ساندت ما صرح به مساعد وزيرة الخارجية فيليب كراولي عن أنّه يجب «ألا يستخدم تقرير لجنة غولدستون وسيلة لزيادة العوائق أمام العودة إلى عملية السلام».
في نهاية أيلول، قال مساعد وزيرة الخارجية الجديد لحقوق الإنسان مايكل بوزنر «نحن نعارض بشدة الكثير من تخمينات التقرير وتوصياته، ونؤمن بأنّه يحوي عيوباً كثيرة».
انضم ستة عشر ديموقراطياً إلى أربعة عشر جمهورياً لكتابة رسالة إلى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وتهجموا على ما سموه «تقريراً منحازاً». أصرت الرسالة على ضرورة تجنب التطرق إلى الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في المنتديات الدولية، رغم تاريخ الحكومة الإسرائيلية الطويل في التغطية على جرائم الحرب التي يرتكبها جيشها، واعتبرت أنّه يجب ترك الحكومة الإسرائيلية للاهتمام بالمسألة داخلياًَ. أشاد الموقعون بما أسموه «التدابير العظيمة التي اتخذتها قوات الدفاع الإسرائيلي للتقليل من الضحايا المدنية». كما أشادوا بوزارة الخارجية التي صرحت علناً عن مخاوفها من التقرير، ودعوا إدارة أوباما لـ«فضح التقرير غير المتوازن»...
اقترحت البعثة الفلسطينية إلى مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في جنيف اتخاذ قرار يقضي بتأييد مجلس الأمن للتقرير وتوصياته. لكن مسؤولي إدارة أوباما أوضحوا أنّهم سيعترضون عبر استخدام حق الفيتو ضد أي قرار مشابه ونجحوا بالضغط على البعثة الفلسطينية في جنيف للتخلي عن مبادرتها...


يحيل التقرير إلى «الإرهاب» (أو إرهابيين) أكثر من 100 مرة ويسمي حماس أكثر من 400 مرة
في هذا الوقت، كان الديموقراطيون في «كابيتول هيل» يزايدون على الجمهوريين في شجب غولدستون وتقرير لجنته. أصدر ممثلا نيويورك إيليوت إنجل ونيفادا شيلي بيركلي في مجلس النواب، وهما ديموقراطيان بارزان في مجلس النواب، تصريحاً مشتركاً ادّعيا فيه أنّ تقرير لجنة غولدستون «منحاز ضد إسرائيل». وبعدما تجاهلا التفاصيل التي تبين العكس، أصرا على أنّ «إسرائيل اتخذت كلّ الخطوات المنطقية لتفادي الإصابات المدنية»... رغم أنّ تقرير الأمم المتحدة، مثل تقارير «منظمة العفو الدولية» وغيرها، تحدّى خرافة استخدام مقاتلي حماس المدنيين دروعاً بشرية، أصر أنجل وبيركلي على أنّ التقرير تجاهل «الجذور الحقيقية لهذه المشكلة، أي إرهابيي حماس، الذين هم مستعدون للمخاطرة بمدنييهم وحتى أولادهم».
النائب غاري آكرمان الذي يمثل نيويورك والذي سماه الديموقراطيون رئيس لجنة الشرق الأوسط ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية، حرّف التقرير تحريفاً أسوأ. لقد شجبه عبر القول إنّه «في عالم الخيال حيث يسكن كتاب التقرير، لا شيء اسمه الإرهاب ولا حماس ولا مفهوم الدفاع الشرعي عن النفس». في الحقيقة يحيل التقرير إلى «الإرهاب» (أو إرهابيين) أكثر من مئة مرة، يسمي حماس أكثر من 400 مرة، ويفشل في تحدي الادعاء المشكوك به أنّ إسرائيل أطلقت حربها ضد غزة دفاعاً عن النفس.
أرض الخيال الحقيقية تبدو إذاً حيث يعيش قياديو الديموقراطيين في الكونغرس وأعضاء من إدارة أوباما، المستعدون لتجاهل البراهين إذا كانت ضد مصلحة إسرائيل أو أي حليف آخر للولايات المتحدة.
المشكلة ليست أن يكون المرء «مؤيداً لإسرائيل» بنسبة عالية... المشكلة هي أنّ القياديين الديموقراطيين في واشنطن، مثل الجمهوريين الذين سبقوهم، يعترفون بأنّ الاهتمام الشعبي بحقوق الإنسان يمكن أن يكون عائقاً أمام برنامجهم العسكري في الشرق الأوسط. في المحصلة النهائية، لقد انضموا إلى الجمهوريين في الهجوم على الأمم المتحدة، منظمة العفو الدولية، أو أي شخص آخر، صحافي، أكاديمي، ناشط أو واحد من أهم قانونيي العالم، حين يعرض أدلة موثوقة عن انتهاكات لحقوق الإنسان من الولايات المتحدة أو حلفائها.
(ترجمة ديما شريف)
* عن «تيكون» ــ مجلة نصف شهريّة أميركية
تروّج لنفسها بإنهّا المتحدّث باسم
اليسار التقدمي اليهودي، وتنشر تحليلات
عن السياسات الإسرائيلية واليهودية في أميركا.