يكتب للتحرّر من الخوف والطغيان والظلم والهزيمة. الكتابة أيضاً تجعله مفيداً. هكذا سجّل ابن الفلاح الفقير، ملحمته الذاتيّة، بين مقالات صحافيّة ساخطة، وقصص مطبوعة بالسخرية اللاذعة، ومسلسلات شكّلت علامات أساسيّة في الدراما السوريّة


إيمان الجابر
منذ وفاة المسرحي فوّاز الساجر (1988)، جعل حسن م. يوسف من لحيته جزءاً من وجهه. أطلقها حزناً على صديقه إذ يقول: «إنَّها لحية فوَّاز ». نرى الفقراء والمسحوقين يطلُّون برؤوسهم من زواياه الصحافية: «قوس قزح»، «آفاق»، «عقل في الكف»... السخرية عنوان عريض لقصصه، والعدالة حلم مشتهى، فيها نقرأ عن ابن الريف في المدينة وصراعه المرير مع الفقر (آخرها «أب مستعار وقصص أخرى» ـــــ 2002). شخصياته بآمالها وأحلامها وجنونها، تحكي ذاكرته الريفيّة المترعة بالظلم والوجع. يقول صاحب «العريف غضبان»: «الكتابة عندي تحوّل الألم إلى ضوء، والضعف إلى قوّة، والخلل إلى توازن». كأنَّه محامي القضايا الخاسرة.
بالنسبة إلى الصحافي والقاصّ وكاتب السيناريو، تبقى القصَّة القصيرة صوته الأقوى. أوصله التلفزيون إلى الشهرة الواسعة... وإلى أهله أيضاً قبل الجميع. «والداي لا يحسنان القراءة والكتابة. تواصلا مع كلماتي للمرَّة الأولى في مسلسل «نهاية رجل شجاع» (1994). كتب له السيناريو والحوار عن رواية حنا مينه التي تحمل العنوان نفسه. حينها، شكَّل العمل الذي أخرجه نجدة أنزور منعطفاً كبيراً في تاريخ الدراما السورية، وقدّم حسن يوسف ككاتب درامي بالمعنى الكامل للكلمة. هكذا، كتب جزءي مسلسل «إخوة التراب» (أخرج الأول نجدة أنزور عام 1996، والثاني شوقي الماجري عام 1998)، الذي حقق نجاحاً واسعاً. أمَّا الكتابة الصحافية اليومية فيعتبرها رئته الثالثة.
لم يكن الفقر رجلاً ليقتله حسن، بل كان واقعاً عاشه بكامل تجلياته طفلاً. هو اليوم أب: ابنته مايا عازفة قانون، وابنه رام عازف عود. يتذكَّر والده. كان فلاحاً يملك قطعة أرض صغيرة يزرعها تبغاً حيناً، وقمحاً حيناً آخر. في مواجهة أطفاله العشرة ـــــ حسن أكبرهم ـــــ لم يجد الوالد إلا الضرب لمنع التمرد في المنزل. يتذكّر: «كانت حياة والدي قاسية مع أنَّه رجلٌ حنون. غالباً ما كانت القسوة تتسرّب من حياته إلينا عبر تعامله الخشن معنا». ويضيف صاحب «قيامة عبد القهار عبد السميع» بغصّة: «عشنا الجوع بالمعنى الحرفي للكلمة. كنّا نستعير الخبز الجاف من عند الجيران، ثمّ نعيده عندما تخبز أمي خبزاً طازجاً. عندما تكون الديون كثيرة، ولا يبقى من الخبز الطازج إلا القليل، كان كلّ منّا يسعى للحصول على حصّته، وبعضنا كان يخبّئها في أمكنة لا يتذكرها عندما يجوع. كنّا نعثر عليها لاحقاً، وقد أصبحت جافة عفنة».
وحدها الأحلام والحكايات كانت تخفّف من وقع الفقر. «أحلام اليقظة كانت الحل، وفيها أتغلّب على كل شيء، وأردّ الصفعات التي كنت أتلقّاها ممن هو أقوى مني. كان الجميع يضربني بسبب بنيتي الضعيفة، لكنّني كنت أعيد الاعتبار لذاتي المهزومة من خلال الحلم». أمّا الحكايات فكانت تقود خياله الجامح إلى أمكنة مشتهاة وواقع مختلف. سليمان شرابي، زوج عمته وصانع الأحذية، كان معلّمه الأول في الحكي. «كان سليمان يروي الحكايات بطريقة مدهشة ومشوّقة تحبس الأنفاس. مهما كانت الحكاية مألوفة ومعروفة لنا يعيد صياغتها في كلّ مرة بطريقة مختلفة»، يخبرنا يوسف. من سليمان تعلّم كيف يعيد كتابة الفقر في قصصه، ويسخر من الواقع الظالم ويتهكّم عليه بأسلوبه المنحاز للشخصيات.
أنجز دراسته الابتدائية في قريته، حيث عانى من ظلم أستاذ كان يوجه العصا والسؤال معاً. كان ذهن الطفل يصوّب تركيزه على العصا، فيحجم عن الإجابة رعباً. يقول صاحب «سقف العالم» مستحضراً تلك المرحلة: «كنت دائم الشرود. لم أكن كسولاً بمعنى الكسل. كنت أدرّس ابن الجيران، هو يأخذ العلامات وأنا آكل العصي».
المرحلة الإعدادية والثانوية في مدينة جبلة، لم تكن أفضل حالاً. عاش هناك ظلماً من نوع آخر: ظلم ابن المدينة لابن الريف القابع في غرفة مستأجرة مع بعض من أبناء قريته. عاش على القليل، وفي الصيف كان يعمل في لبنان في الزراعة بأجر يومي. بعد إنهائه الثانوية، اختار دراسة الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، متجاهلاً رغبة والده بدراسة الحقوق. في ذلك الوقت، كان يحسن سرد الحكايات للصبايا من حوله. لفتته إحداهن إلى أنّه يجب أن يكتب ما يقصّه عليهنّ، وتحدّته إن كان قادراً على ذلك. هكذا كتب قصته الأولى «ليست منكم»، فحملتها الصبيّة إلى رئيس تحرير مجلة الطلبة، لتكون «قصة العدد».أثناء الدراسة الجامعية، جرّب مهناً كثيرة ثمّ استقرّ محاسباً في بوفيه الجامعة، قبل أن يصبح مترجماً في مجلة الطلبة، وينطلق منها إلى ممارسة الصحافة في السبعينيات.
يقيس حسن يوسف أمامنا المسافة بين الأمس واليوم: «كنت أترجم المقالات وأنشر القصص... صرت نجماً بعدما فزت بالجائزة الأولى في مهرجان الجامعات السورية للقصَّة القصيرة، وكان رئيس اللجنة الكاتب الكبير زكريا تامر». يلفتنا إلى أنه لم يقترب في حياته من السياسة، ولم ينضمّ إلى حزب مع أنّ المشروع الشيوعي هو الأقرب إلى العدالة من وجهة نظره: «لو كان لي أن أختار قفصاً/ حزباً ـــــ ولست بفاعل ـــــ لوجدت نفسي أقرب إلى الشيوعيين».
نكسة عام 1967 كانت أول زلزال حقيقي في حياته. يصمت قليلاً، يطلب من النادل في «نادي الصحافيين» في حيّ العفيف في دمشق كأس ماء بارد. يشرب ثم يعود إلى الحديث: «كنت، طوال حياتي، في انتظار النصر الآتي لا محالة. لكنّ الواقع تكشّف عن أكذوبة، من يومها لم أعد أثق بأي شيء. عندما قدّم عبد الناصر استقالته كنت من الذين انهارت السماء على رؤوسهم».
آمن حسن م. يوسف بالكتابة، سبيلاً وحيداً إلى التحرّر من الخوف والظلم والقهر والجوع والهزيمة. «الكتابة جعلتني مفيداً للآخرين. كلّ ما كتبته وأكتبه، قائم على مبدأ واحد بسيط: حبّ الناس». هكذا عبّر في أغنية مسلسل «نهاية رجل شجاع» عن هاجس يلازمه غالباً: «يا روح لا تحزني/ ويا قلب ضلّك هني/ زوّار جينا عَ الدني/ والعمر بحرو نهار».



5 تواريخ

1948
الولادة في قرية الدالية ـــــ ريف اللاذقية (سوريا)

1978
أصدر مجموعته القصصية الأولى «العريف غضبان» وعمل محرّراً ثقافيّاً وكاتب زاوية في جريدة «تشرين» وبقي فيها حتّى شباط (فبراير) 2008

1981
انتسب إلى مجلس اتحاد الصحافيين السوريين

1994
كتب مسلسل «نهاية رجل شجاع» لنجدة أنزور الذي اعتبر منعطفاً في الدراما السوريّة

2009
يعكف على كتابة مسلسل «شوكة في القلب» عن حياة الشاعر محمود درويش