«العمل السنوي الذي يقوم به كل شعب هو الرصيد الذي يمدّه بكافة ضروريات الحياة وكمالياتها مما يستهلكه كل سنة، وتكون دائماً إمّا من الناتج المباشر لذلك العمل، وممّا يشتريه ذلك الناتج من الخارج»1. هذا التعريف الذي قدّمه آدم سميث (1723- 1790) في بحثه عن «ثروة الأمم» (1776)، كان الفاتحة في تاريخ الفكر الإنساني لتجاوز المفاهيم القديمة عن «مصدر» الفائض والربح والثروة، فالعمل الإنساني هو مصدرها لا الأرض ولا الملكية، وبالتالي ليس رأس المال. هذا الانقلاب في دراسات الاقتصاد السياسي، عزّزه كارل ماركس (1818- 1883) بصوغه التعريف الأدق لـ«عملية العمل»، باعتبار أنها «نشاط بشري هادف يتوخى إنتاج قيم استعمالية، أي تملّك مواد الطبيعة وتكييفها للحاجات البشرية»2. تفرض هذه العملية، تبعاً لتطوّرها والظروف التي تجري فيها والمؤسسات التي تنظّمها، تقسيماً للعمل على مستوى كلّ مجتمع وبين المجتمعات.

في الطور الرأسمالي، ينقسم البشر إلى «ثلاث مجموعات اجتماعية أساسية، يعيش الأفراد الذين يؤلفونها، من الأجور أو الأرباح أو الريوع، أي من استخدام قوّة عملهم، أو رساميلهم، أو ملكياتهم (أو مزيج من هذه المصادر طبعاً)... فضلاً عن تشعّب لا نهائي في المصالح والمراتب يؤلّفه تقسيم العمل الاجتماعي (داخل كل مجموعة أو بتشكّل مجموعات أخرى فرعية أو متمايزة من العاملين لحسابهم والمهنيين أو الموظفين ... إلخ)»3. في هذا السياق، يخرج مفهوم «قوة العمل»، أي «النشاط الحيوي للعامل». ففي حالة العمل المأجور التي تميّز النظام الرأسمالي، يضطر العامل إلى بيع قوة عمله من طرف آخر في مقابل أجر، كي يؤمّن لنفسه وسائل العيش الضرورية. وهكذا، فإن نشاطه الحيوي ليس، بالنسبة له، سوى وسيلة تمكّنه من العيش. هو يعمل ليعيش. والعمل، بنظره، «ليس جزءاً من حياته، إنّما هو بالأحرى تضحية بحياته»4، فالإنسان المنفصل عن عمله تتقوّض حريته ويصبح عاجزاً عن تنمية طاقته وقدراته الخلّاقة. وهذا يكمن، تحديداً، في صفة العمل كسلعة أو رأس مال بشري وليس كطبيعة إنسانية.
كيف يمكن تحرير الإنسان من هذا «الاغتراب»؟
إن حرية الإنسان «لا تبدأ في الواقع إلا حيثما ينتهي العمل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية. لذا فهي توجد بالطبع خارج دائرة الإنتاج المادي ذاته»5. أما العمل فهو ملزم به من أجل الكسب وإرضاء حاجاته والمحافظة على حياته وتجديد قواه الحيوية. ولذلك يُفترض أن يُنجز بأقل الجهود الممكنة وفي ظروف أكثر تلاؤماً مع الكرامة والطبيعة الإنسانيتين.
هذا الهدف يبدو مستحيلاً اليوم، على عكس ما كان عليه الحال قبل قرن أو أكثر قليلاً، عندما كانت الحركة العمّالية تبني قوّتها في مواجهة رأس المال وتفرض «التخفيض في أوقات العمل اليومي». ولكن الهدف ليس مستحيلاً بذاته بل في ضعف القوّة الدافعة إليه، أي في تراجع الحركة العمّالية عن دورها «الثوري» واستسلامها للشروط التي يفرضها رأس المال، منذ قبولها بالمكاسب الجزئية التي تحقّقت لها حتى عقد السبعينيات من القرن الماضي، قبل الانقضاض عليها مجدّداً وإعادتها إلى ما يشبه الأوضاع التي كانت قائمة عشية الحرب العالمية الأولى.
اليوم، تلوح فرص أخرى، ولكن في غياب الحركة العمّالية الفاعلة والثورية. هذه الفرص تكمن في العوامل نفسها، التي تغيّر (الآن) طبيعة العمل، وبالتالي المجتمع، أي في النتائج المترتبة على العولمة التجارية والمالية والتغير المناخي والتطوّرات التكنولوجية الهائلة وازدياد اللامساواة. هذه العوامل (ويوجد غيرها الكثير) لا تزال تقدّم كعوارض جانبية لعمل النظام الرأسمالي، ولكنها، في الواقع، تجسّد بعض تجليات أزمته ومظاهر تناقضاته.
إن الثورة الصناعية الجديدة لديها القدرة على إعادة بناء الحضارة أو زعزعتها. لذلك تظهر الحاجة إلى إعادة تعريف العمل، فما يحصل منذ الثورة الصناعية الأولى هو المزيد من تبخيس قيمة الإنسان عبر قياسها بناءً على قيمة عمله في السوق، «وبما أن قيمة العمل الإنساني، في شكل متزايد، لن يصبح لها أي أهمية في عالم التقنية المتسارعة، فإن ثمّة حاجة، لا مفرّ منها، إلى طرق جديدة لتحديد وتعريف قيمة الإنسان والعلاقات الاجتماعية (...) وسواء منحتنا التقنيات الحديثة حياة الرفاهية، أم أدّت إلى البطالة الهائلة والركود الاقتصادي، فإن ذلك يعتمد في شكل كبير على الصراع من أجل السيطرة على الدولة»6.
اليوم، كما في مطلع القرن الماضي، تبدو المواجهة نفسها: الحروب والأزمات الاقتصادية تفتك بالكثير من المجتمعات. «العنصرية» في صعود ترافقها «شعبوية» تشيع خطاباً يميناً عدائياً. يخسر العمّال مكاسبهم عبر تفلّت رأس المال من نظم الحماية القانونية والاجتماعية، وليس ما يسمّى العمل اللانظامي و«الريادة» إلا صورة من صور كثيرة لاستغلال قوّة العمل في ظروف بائسة بساعات عمل طويلة وأجور زهيدة. اللامساواة في توزيع الناتج والدخل والثروة في أوجّها، والربح يتعاظم وكذلك الريع ويستحوذان على الفائض الاجتماعي على حساب العمل. الكثير من الدول ترزح تحت عبء مديونيات هائلة واستنزاف مرتفع للموارد... نتائج العولمة الثانية الجارية منذ السبعينيات أفدح من نتائج العولمة الأولى في التمويل والتجارة (1870- 1914)7. وكلتاهما «لامساواتية في شكل هائل»... وليس أمراً عابراً أن نكون اليوم نمرّ في ظروف مررنا بها قبل 100 عام. وفيما نبحث في «المستقبل» نواجه ما يمكن تسميته «عودة إلى الماضي»، عندما كان التقدّم التكنولوجي والصناعي يمنح فرصاً هائلة، إلا أن النمو الاقتصادي كان ضعيفاً وغير معمّم والثروة محتكرة بأيدي القلّة والبطالة ترتفع والبؤس ينتشر والقلاقل تعمّ معظم مناطق العالم.
ما العمل؟ حتماً لا يوجد جواب تقني على هذا السؤال، ولا في الاقتصاد الصرف. الجواب سياسي بالدرجة الأولى، وهو لا يوجد في الحاضر، بل في نظام اقتصادي مختلف تماماً. في العودة إلى برامج تخفيض ساعات العمل وصولاً إلى تحرير الإنسان من الحاجة إلى العمل الاضطراري.

1- أدم سميث- بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم
2- كارل ماركس- رأس المال- المجلّد الأول
3- كارل ماركس- رأس المال- المجلّد الثالث
4- المصدر السابق
5- المصدر السابق
6- جيرمي ريفكن- نهاية العمل: تضاؤل القوى العاملة العالمية وبزوغ فجر حقبة ما وراء السوق
7- توماس بيكيتي- رأس المال في القرن الحادي والعشرين