استحوذت تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج على اهتمام خاص في الآونة الأخيرة، في ظلّ تزايد حدّة التوترات الإقليمية، والمخاوف الدائمة، أو التخويف الدائم، من لجوء السعودية إلى معاقبة لبنان وطرد اللبنانيين منها وحرمانهم من مصدر تمويل مهمّ لاستهلاك أسرهم في لبنان.

ولكن هذا الاهتمام، كما يعكسه الإعلام وتصريحات بعض السياسيين وممثلي مجموعات الضغط، بقي مُنصبّاً على جغرافيا هذه التحويلات، أي على سؤال، من أين تأتي؟ وهو سؤال أثار حتى الآن اختلافات هائلة في تقدير حصة الخليج ووزنها، تبعاً للمواقف والمواقع والمصالح، وليس تبعاً للإحصاءات والتقديرات الموضوعية أو المقبولة. ولذلك تطغى «الشعبوية» على هذا الاهتمام، وتحرفه نحو التعبير عن انقسام اللبنانيين بين محورين فقط، يميل أتباع الأول إلى تعظيم حصة السعودية لتبرير دورها وتسويغ الاستجابة لمطالبها، باعتبارها تجسّد «مصلحة وطنية عامّة» أعلى مما تجسّد «إيران»، التي لا يأتي منها أيّ تحويلات منظورة. في حين يميل أتباع المحور الثاني إلى تبخيس قيمة التحويلات الآتية من السعودية، وتبخيس قدرتها على التأثير في الواقع اللبناني، بلا أيّ هدف، سوى إيهام الناس بعدم صحّة حجّة أتباع المحور الأول.
في هذا السياق، تُقدّم «التحويلات» كسلاح حربي رادع، يتحكّم بزناده من يكون مُسيطراً على مصدر مهم ومؤثر وذي وزن بين مصادر التحويلات الوافدة إلى بلد ما. وعلى الرغم من صعوبة تخيّل سيناريو من السيناريوهات المتداولة التي تقوم على فرضية طرد جماعي للمهاجرين اللبنانيين من السعودية، إلا أن معظم المعلّقين بدوا متفقين على أن وجود احتمال، ولو بسيط، لحدوث ذلك، كاف لإثارة القلق، ولذلك هم لا يختلفون على تقدير أثر التحويلات على الاقتصاد السياسي والحاجة إلى التحرّر منه في أي برنامج يزعم تقديم البدائل لإدارة الأزمة، بل يتناولون حصراً: هل التحويلات من السعودية مرتفعة بما يكفي لتسويغ الرضوخ والاستتباع؟ أم أن وزنها لا يستحقّ تقديم مثل هذا الثمن؟
بعيداً من كل التقديرات المُضخّمة في هذا السياق، يجدر الإقرار أولاً أن السعودية تعدّ أهم مصدر للتحويلات إلى لبنان. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 139 ألف لبناني يعملون في السعودية، حوّلوا في العام الماضي نحو 1.6 مليار دولار من مجمل التحويلات البالغة 8 مليارات دولار (الإدمان على تحويلات المهاجرين- ص 2). أيّ إن أكثر من 20% من تحويلات اللبنانيين المهاجرين مصدرها السعودية. وهذه (ربّما) حقيقة ثابتة، ولكنها ليست حقيقة كاملة، فمصدر التحويلات الأول إلى لبنان هو الدول الأوروبية، التي بلغت قيمة الأموال الواردة منها عام 2017 نحو 2.268 مليار دولار (28.5%)، تليها دول أميركا الشمالية بقيمة 2.157 مليار دولار (27.1%)، ومن ثم دول الخليج بقيمة 2.043 مليار دولار (25.7%)، وأستراليا بقيمة 954 مليون دولار (11.99%)، وتستحوذ هذه الأقطاب الأربعة على 93.3% من مجمل تحويلات اللبنانيين المهاجرين الواردة إلى لبنان. كذلك، تستحوذ البلدان الخمس الأولى المصدّرة للتحويلات إلى لبنان على 70.38% من مجمل التحويلات. تتصدّرها السعودية، ولكن تليها مباشرة الولايات المتحدة الأميركية بحصة قريبة جدّاً (16%، إذ يبلغ عدد العمّال اللبنانيين فيها نحو 128 ألف عامل وهم حوّلوا إلى لبنان في العام الماضي نحو 1.292 مليار دولار. وهذا ينطبق أيضاً على أستراليا التي تبلغ حصتها 11.97% (93 ألف عامل – 952 مليون دولار)، وألمانيا أيضاً، بنسبة 11.04% (68 ألف عامل – 878 مليون دولار)، وكندا بنسبة 10.72% (94 ألف عامل – 853 مليون دولار).
ما الذي تنبهنا إليه هذه الأرقام؟
أول ما تنبهنا إليه أن هذه التحويلات تأتي من مصادر متنوّعة، وتركّز معظمها في 5 مصادر فقط يقابله توزّع لافت لهذه المصادر بين 4 مناطق مختلفة اختلافاً كبيراً، وهو ما ينطوي على توزّع متوازن إلى حدّ ما، لمخاطر الهبوط المفاجئ في قيمة تحويلات المهاجرين اللبنانيين.
والأمر الثاني الذي تنبهنا إليه هذه الأرقام، أن فرضية «الطرد الجماعي» أو إعاقة التحويلات من أحد هذه المصادر الخمسة الرئيسة، وفي مقدّمها السعودية، سيكون مؤلماً وضاغطاً، ليس للأسر اللبنانية فحسب، بل للسعودية نفسها، ولا سيما أن معظم اللبنانيين المهاجرين إلى الخليج هم من العمالة الماهرة، التي يُصعب استبدالها من دون كلفة عالية. علماً أن بين هؤلاء المهاجرين أصحاب أعمال ورياديون وكوادر إدارية عليا ومهنيون تحتاج إليهم اقتصادات الخليج ويتكل عليهم الكثير من الشركات والمشاريع.
في الواقع، أهم ما تنبهنا إليه هذه الأرقام، أن المخاطر المُتصلة بتحويلات العمّال المهاجرين لا تتصل بمصادرها، بل بوزنها الإجمالي الضخم، الذي يمثّل نحو 15% من مجمل الناتج المحلي. وللدلالة على ثقل هذا الوزن، فإن نسبة هذه التحويلات تزيد عن نسبة مساهمة القطاع الصناعي برمته في مجمل الناتج المحلي، وتساوي قيمتها أكثر من مرّتين ونصف قيمة الصادرات اللبنانية، أو نصف فاتورة العجز التجاري تقريباً. يشيع هذا الوزن وهماً أيديولوجياً أن الهجرة، وليس العمل أو حتى رأس المال، هي مصدر ثروات اللبنانيين ومصدر عيشهم. وبالتالي يشجّع عليها بوصفها «انتشاراً» أو «غزواً» أو «فتوحات»، ويبني لها أساطير مُتخيّلة من أيام الفنيقيين إلى اليوم. ولكن، كي يكون اهتمامنا بمسألة التحويلات في محله، علينا أن نعرف، قبل أي شيء آخر، أن «الهجرة»، في حدّ ذاتها، لا تضيف أي ثروة للمجتمع الذي تخرج منه بل للمجتمع الذي تعمل وتنتج وتبدع فيه، وبهذا المعنى البسيط، تخفّض الهجرة اللبنانية الثروة الفعلية للمجتمع (لبنان: جنة الأثرياء الفقيرة بثرواتها- ص 1)، وتُضعف قدراته على تعويض نزيفه البشري، وتترك آثاراً فادحة على المستويات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وتنعكس بالتالي على السياسة والثقافة، وتفسّر أحياناً بعض التصرفات وردود الفعل المُحيّرة، كالتي عبّرت عنها الانتخابات الأخيرة. وهنا تكمن المخاطر الحقيقية.