تعاني الدراما اللبنانية من غياب ما يسمى المنتج الفنان الذي يستطيع بثقافته أو خبرته إختيار النص الجيد والجميل. وإذا لم يجده عند الكتاب المعهودين واصحاب الحق الحصري على ما يبدو في تنفيذ نصوصهم، يذهب للبحث عنه عند أشخاص آخرين موهوبين، ولكنهم يحتاجون لفرصة فقط. ثم يقوم هذا المنتج مع المخرج بإختيار الممثلين الجيدين الذين يوجد الكثير منهم ولكنهم قابعون في بيوتهم. ليس صحيحاً أنه لا يوجد ممثلون أكفاء، إلا هؤلاء الزملاء الذين ترونهم على الشاشة.


هناك كثيرون، ولكنهم لا يجدون فرصة للظهور، والذين في الكثير من الحالات يمتلكون موهبة أهم وأرقى وأصدق من كثير من الزملاء الذين يحتلون الشاشات. فإختيار الممثل في الدراما اللبنانية يتم في معظم الاحيان إما لعلاقات شخصية، وإما أن لكل منتج مجموعته التي يرتاح في العمل معها، لانها تقبل بالسعر غير العادل الذي يفرضه المنتج ضارباً بعرض الحائط قيمة الاجور في التصنيف النقابي. تعتبر تلك الخطوة تواطؤاً غير اخلاقي بين المنتج والزملاء الممثلين الذين يقبلون بذلك مدفوعين تحت وطأة تأمين لقمة العيش للقبول بهذه الشروط والانتظار أحياناً كثيرة مدّة سنتين لتحصيل أجورهم المستحقة عن عملهم. وإذا حدث وتجرّأ أحدهم، وطالب بأجره فإنه يتعرض للتأنيب بطريقة فيها الكثير من الصلف، وبالتالي الى الخروج من جنة المنتج والجلوس في منزله في ظل غياب اي دور يوفّر حماية من قبل النقابات. هذا اذا كان نقابياً.
وللأمانة هذا الأمر يستثنى منه «مركز بيروت الدولي للانتاج» (منتج «الغالبون»1و2) الذي احترم أجور الممثلين بحسب تعرفة النقابة، ودفع للممثلين أجورهم فور انتهائهم من تصوير أدوارهم وعامل كل الممثلين باحترام بالغ. وهذه شهادة صدق وليس تملقاً أو تزلفاً، ولكن يجب الاضاءة على هذا الأمر لتشجيعه ولحث الآخرين على التصرف بالمثل. (ملاحظة: هذا الأمر اقتصر فقط على مسلسل «الغالبون» ولم ينسحب على مسلسل «قيامة البنادق» هو قيد التصوير الآن، فعمد «مركز بيروت الدولي» الى خفض أجور الممثلين أسوة بغيره من شركات الانتاج الأخرى.)
العامل الآخر الذي يتحكّم باختيار الممثلين ويجب إثارته مع علمي المسبق بأنّ هذا الامر «سيفتح عليّ أبواب جهنم» هو العامل الطائفي. فكما أنّ المسيحيين يشعرون بالغبن في عالم السياسة، فإنّ المسلمين يشعرون بالغبن في عالم التمثيل الدرامي وتحديداً التلفزيوني. هناك شعور كبير لدى العديد من الزملاء بأن العامل الطائفي يلعب دوراً كبيراً في الدراما اللبنانية. وللامانة، فهذه النظرة موجودة أيضاً لدى شريحة كبيرة من الجمهور. هناك تساؤلات تطرح حول هذا الأمر دون أن يتجرأ أحد على إثارته. يكفي ان نلقي نظرة على جنريك المسلسلات حالياً لنكتشف صحة هذا الأمر. نرى أن نسبة الممثلين المسلمين لا تتجاوز الـ 5% من اي عمل. يستثنى من ذلك مرة أخرى تجربة «مركز بيروت الدولي للانتاج» في مسلسل «الغالبون» بجزئيه والآن في مسلسل «قيامة البنادق». طبعا سأواجه بغضب كبير وبإنكار شديد وباتهامات شتى لكن لا يهم. يجب القاء الضوء على كل الهواجس الموجودة والمختبئة في النفوس. ولكن أودّ أن أورد ملاحظة هامة مسبقاً لكل من سيهاجمني هي أنني لا أؤمن بكل هذا العفن الطائفي. أنا اؤمن فقط بالانسان بغض النظر عن دينه، وعلى هذا يجب ان تبنوا هجومكم الا انني ما اقوم به هو مصارحتكم بما في النفوس يا سادة.
مشكلة الاداء الضعيف للممثلين في الدراما اللبنانية لا يتحمله فقط الممثل، بل يتحمله أيضاً غياب الكاستينغ أو ما يسمى تجربة الاداء، أي ان يطلب من عدد من الممثلين تأدية مشهد من مشاهد الشخصية المرشحين لتأديتها وعلى هذا الاداء يتم الاختيار. وهذا بالتأكيد ليس فيه إهانة للممثل، فليس كل الممثلين يبرعون بتأدية كل الادوار. ولهذا نرى أداء أغلبية الزملاء هو نفسه، سواء كان الدور شريراً أم عاشقاً أم فقيراً أم غنياً. نراهم يكررون أنفسهم، ولا يتبدل شيء في الموضوع سوى اسم المسلسل. والكاستينغ يتيح للمنتج التعرف على طاقات جديدة تغني اعماله ويتيح للجمهور التعرف على وجوه جديدة وربما تكون أكثر اقناعاً. فهل يعقل أن اعداد الممثلين في النقابتين تتجاوز الـ 600 ممثل ولكن من يعمل وبصورة دائمة هم فقط اقل من 20 ممثلاً وممثلة. طبعاً قد يجيب احدهم ان هناك اسماء يحبها المشاهد ولها جمهورها وهذا صحيح، ولكن ليس كل الممثلين الاخرين يعشقهم هذا الجمهور، حتى أنّني أزعم أنّ أداء بعض الممثلين يشجع الجمهور على التمثيل. إذ يرى ان هذا الممثل لا يتفوق عليه بشيء من ناحية الاداء وهو الذي لم يخض غمار التمثيل في حياته.
في الختام كل هذا الذي ذكرته لا يهدف الى القول بأنّ الدراما اللبنانية غير قابلة للتطور أو أنّه من باب اثباط العزيمة. بالعكس ما كتبته هو رؤية من زاوية أخرى للأمور تهدف الى فتح نقاش ربما يساهم في تطوير الدراما اللبنانية وقد يحتمل الصواب أو الخطأ الا انه دعوة لحوار مفتوح للوصول الى النتيجة المرجوة.
.................
عن الدراما اللبنانية وأحوالها: الانتاج
بقيت الدولة لعقود طويلة المنتج الاول للدراما اللبنانية عبر تلفزيون لبنان .الا انه بعد الموت السريري لهذا الاخير وخروجه من ساحة المنافسة، تصدى لعملية الانتاج ثلاثة او اربعة منتجين في لبنان يكونون غالباً منتجين منفذين لصالح القنوات التلفزيونية، وفي قليل من الاحيان ينتجون من جيوبهم الخاصة. وهم بالطبع مشكورون على جهودهم، الا ان هذا لا يمنع من طرح بعض الملاحظات.
لا شك في أن من يتحكم بمفاصل الانتاج الدرامي اليوم هي المحطات المحلية التلفزيونية في ظل غياب المنافسة لها على هذا الصعيد. كلنا يعلم صعوبة تسويق الانتاج الدرامي اللبناني في العالم العربي لا بل استحالة ذلك لغايات اظن انها متعمّدة لحصار الدراما اللبنانية، ما يجعل المنتج يقف عاجزاً امام تسويق انتاجه وانعدام الخيارات امامه. هذا الامر جعل المنتج صاحب الرأسمال الخاص ينكفئ عن استثمار امواله، لصالح المنتج المنفذ الذي يعمل وفق شروط القناة التلفزيونية التي تفرض عليه شروط انتاج محددة من ناحية نوعية النص، والممثلين، وبطبيعة الحال، نوعية الانتاج التي غالباً ما تكون دون المستوى. وهذا أمر طبيعي نظراً لما يدفعونه من كلفة مقابل الحلقة الواحدة التي اقل ما يقال فيها إنّها مهينة وتصل الى 15000دولار للحلقة الواحدة. في حين انهم يجنون ارباحاً هائلة من الاعلانات تصل الى اكثر من 60000 دولار للحلقة الواحدة. اذن أزمة الدراما اللبنانية مستعصية على الحل في ظل هذا الواقع. الحل يجب أن يكون بكسر هذه الحلقة. كيف؟
لمَ لا تخوض شركات الاعلانات غمار الانتاج فترصد الميزانية اللازمة لانتاج دراما بمستوى راق، وتنافس الاعمال الدرامية الاخرى. هذه الخطوة تكون انتقالية ريثما يقتنع اصحاب القرار في هذه القنوات بأن الدراما يمكنها أن تجمع الربح والجودة في نفس الوقت. امّا لماذا شركات الاعلانات؟ فلأنها الوحيدة التي يمكنها الوقوف في وجه المحطات التلفزيونية نظراً إلى حاجتها الماسة لها. يجب ان تقتنع الجهات المنتجة ان تكامل العمل وتوفير كل العناصر الضامنة لنجاحه هو تجارة رابحة ستقوي حضور الدراما اللبنانية وسيفتح امامها اسواقاً جديدة وبالتالي ستزداد ارباحهم اكثر.
................
عن الدراما اللبنانية وأحوالها: الاخراج
منذ ما يسمى بالعصر الذهبي حتى يومنا هذا. شهدت الدراما اللبنانية التلفزيونية محطات عديدة ميزت في قليل من الاحيان مسيرتها ومرت مرور الكرام أحياناً كثيرة. توقف الزمن بها عند نشوب الحرب الاهلية اللبنانية. بامكاننا ومن دون تردد تأريخ مسيرة الدراما اللبنانية بما قبل الحرب وما بعد الحرب .غير انه بدراسة موضوعية لمرحلة ما بعد الحرب، نجد أنّ هذه المرحلة تنقسم الى مرحلتين مرحلة المخرجين الذين عملوا مع الرعيل الاول ومرحلة المخرجين الشباب في ايامنا هذه. بالعودة الى المرحلة الاولى من ما بعد الحرب، نجد أنّها ليست الا امتداداً لمرحلة ما قبل الحرب من كل النواحي ولهذا اسبابه تتلخص في أنّ معظم المخرجين الذين تصدّوا لإخراج الاعمال الدرامية هم من نتاج مرحلة ما قبل الحرب الذين كانوا يعملون في هذه الدراما بصفة مدير مسرح او مدير انتاج او مصور او حتى مساعد مصور فأصبحوا مخرجين، مستفيدين من هالة موروثة من زمن، كان فيها التلفزيون يعدّ عالماً سحرياً معقداً مهيباً لدى الجمهور. نقلوا هؤلاء ما تعلموه من تجربتهم مع مخرجين كبار في ذلك الزمن (انطوان ريمي، باسم فياض، جان غياض) كانت لهم بصمتهم انما بأدوات وظروف ذلك العصر. كانت تتحكم بهم حال تقنيات ذلك العصر كوزن الكاميرا، والاضاءة الثقيلة، مما الزمهم التصوير داخل استديوهات مخصصة لذلك وفرض عليهم حجم لقطات محددة، وحركة كاميرا مقيّدة. غير ان ما ميزّهم هو اهتمامهم بأداء الممثل. فلم يهملوا هذا الجانب وكانوا يركّزون عليه بشكل كبير. طبقوا ما تعلموه في اعمالهم الدرامية. فكان اداء الممثلين يطغى ويغطي على فقر العوامل الاخرى من حركة كاميرا الى الديكور والاضاءة والملابس. الأمر الذي لم ينقله من عاصروهم وتصدّوا لاحقاً لاخراج أعمال درامية، فاكتفوا بتطبيق حركة الكاميرا وحجم اللقطات فقط وجاءت أعمالهم باهتة فقيرة من اي ابداع حتى أنّه لا يكاد احد أن يذكرها. وللامانة ولكي لا يكون حكمي ظالماً، فأنه لا شك في أنّ الحرب كانت سبباً وجيهاً لتدهور حال الدراما ومن كل النواحي. فلذلك لن نغرق كثيراً في نقدها بسبب ما يسمى أحكاماً تخفيفية.
بالانتقال الى المرحلة الثانية من ما بعد الحرب، مرحلة جيل الشباب، فقد شهدت هذه المرحلة قفزة تقنية هائلة تمثلت في التطور المذهل الذي شهدته الكاميرات والاضاءة والمونتاج وجودة الصورة من دون أن ينسحب ذلك على الشق الدرامي باستثناء تجربة ثلاثة مخرجين التي اعتبرها مميزة وواعدة هم سمير حبشي، ايلي حبيب، فيليب اسمر وتزرع بعض الامل في النفوس لرؤية دراما لبنانية مميزة تحترم عقل المشاهد وذكاءه. يستحقون هؤلاء الثلاثة الدعم وتوفير الامكانيات اللازمة لبلورة افكارهم وتجربتهم اكثر. ومن هنا يأتي العتب على شركات الانتاج التي تستعين بمخرجين غير لبنانيين لاخراج اعمالها، واضعة في تصرفهم كل الامكانات من الناحية المادية أو من ناحية عامل الوقت من دون الحصول على النتيجة المتوخاة. الامثلة على ذلك متعددة وبإمكاننا ادراج امثلة عديدة عن ذلك. لقد جاءت اعمالهم من الناحية الاخراجية مشابهة لما يجري في الدراما اللبنانية بعكس اعمالهم التي يقومون بإخراجها في بلدانهم وتكون مميزة وجميلة. وهذه معضلة لم أتمكن من معرفة أسبابها. هل الأمر مقصود ويهدف فقط الى الربح المادي؟ أم أنّ الامر طبيعي ومبرر بسبب غربتهم عن البيئة التي يعملون فيها وهذا امر طبيعي؟ والسؤال هنا يطرح لماذا لا توفر هذه الامكانات للمخرج اللبناني المتميز شرط أن يكون اختيار الممثلين موفقاً وصحيحاً وأن لا يفرض عليه ممثلون بأدوار رئيسية لا يفقهون من التمثيل الا تسميع الحوار الذي حفظوه عن ظهر قلب؟
خاتمة ضرورية لنفهم ماهية صاحب الدور الرئيسي ـ أي المخرج ـ في صناعة الدراما. الاخراج هو لغة تختلف من شخص الى آخر تماما كالخط في الكتابة، اذ لكل شخص خطه او بصمته. في الاخراج، اللغة تعني رؤية وبقدر ما كان المخرج مثقفاً بقدر ما كانت رؤيته اعمق، يسخّر لها ملكته او موهبته الفنية لإظهارها بأجمل صورة. لكن يجب ان تتوافر ظروف وموارد لخروجها الى العلن. الدراما التلفزيونية ليست كالرسم. مثلاً، يكفي الرسام قماشة وريشة كي يترجم رؤيته. الامر في الدراما مختلف كلياً لانها صناعة تحتاج للمال وللوقت وللثقافة أقله لكي يفهم المخرج النص بين يديه. وكيف ذلك وهناك مخرجون ودون مبالغة لا يجيدون القراءة حتى؟ لا يكفي المخرج ان يطبّق بعضاً مما يحفظه من تقنيات لكي يكون مخرجا، فهذا امر سهل. بإمكانه ان يستعين بمدير تصوير جيد لحل هذه المشكلة يكون بمثابة الملاك الحارس له، ينجز له كل الامور التقنية من حركة الكاميرا الى حجم اللقطات الى كل شيء. ومن دون مبالغة وبحكم تجربتي مع العديد منهم، أصبح مألوفاً عندي اخذ التعليمات من مدير التصوير وليس من المخرج. وفي أحيان كثيرة يتعدى الامر ذلك. فكثيراً ما أرى مدير التصوير يأخذ المخرج جانباً، هامساً له أنّ ما يقوم به خطأ أو أنّ محور الكاميرا خطأ أو أنّ هذه اللقطة لا تتلاءم مع سابقتها اثناء المونتاج. هذا تقنياً. أما الرؤية او اللغة، فلا وجود لها في اغلب الاحيان باستثناء قلة كنا قد اشرنا لها سابقاً.
وبعد الاخراج الدرامي ليس فيديو كليب. لا يكفي هنا الصورة الجميلة فقط. بل من المهم اللغة الدرامية لاي عمل ليكون ناجحاً وليكون له هوية. وهذا ما ينقص الدراما اللبنانية لتكون ناجحة. أما من سيؤمّن هذا؟ فبالتأكيد عامل الانتاج.
* ممثل لبناني