للمرة الأولى، خانته الموهبة. وبدل أن يقدّم اسكتشاً كوميديّاً مع فرقة أبو سليم، بدا مشهده الأخير تراجيدياً. سقط «فهمان» عن الخشبة في بلدة كفرصير الجنوبية، ونُقل إلى المستشفى وسرعان ما أسدل الستار على حياة موهبة، عاشت نصف قرن من عمرها متنقلة بين المسرح والتلفزيون والإذاعة والسينما.

كان له محبوه، ومنتقدوه أيضاً، لكن لا أحد ينكر أن محمود مبسوط (1941) تحوّل إلى حالة فنيّة مميّزة منذ انطلاقته، واستطاع أن يمثّل علامة فارقة في عالم الفن، حتى بعدما رفضته الشاشات مع أبو سليم وأسعد وشكري والزغلول، وعدّتهم «موضة قديمة» لا تناسب الألفية الجديدة.

هكذا، قرّر فهمان، مواصلة رحلته الفنيّة، فسجّل إعلانات وشارك في حلقات إذاعيّة، وقام بجولة مسرحيّة في المناطق اللبنانيّة، كما أطلّ في عدد من الأفلام، بحثاً عن لقمة العيش. وظلت مشاريع أبو سليم ونصوصه المكتوبة، سجينة الأدراج في المحطات. ولم يتمكن محمود مبسوط من تحقيق حلمه بجمع أفراد الفرقة مجدداً في التلفزيون، وإن استمرت مشاركاتهم معاً بصورة متقطّعة على المسرح.
أمس، شاء القدر أن يسقط فهمان على خشبة المسرح أمام العائلة الفنيّة التي قدّم معها مئات الساعات بين الإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما، أي صلاح تيزاني (أبو سليم)، عبد الله حمصي (أسعد)، صلاح صبح (شكري شكر الله) ومعهم فؤاد حسن (الزغلول). هناك، حيث يحلم الممثل بأن يختتم الرحلة، سقط فهمان ولم تتأخّر لحظة إعلان وفاته، بوجود معظم أفراد الفرقة. هؤلاء الذين أمضوا مع مبسوط سنوات طويلة منذ انطلاقتهم في «تلفزيون لبنان» عاشوا أكثر من نصف العمر معاً. وشاء القدر أن ينهي فهمان هذا العمر برفقتهم عند إحياء مهرجان تراثي ـــــ قروي في بلدة كفرصير الجنوبية. هناك أصيب بأزمة قلبية حادة، أودت بحياته. الإعلان الأول عن الوفاة، كان عن طريق فايسبوك. وسرعان ما ملأت صوره صفحات الموقع، فيما استبدل كثيرون صورهم الشخصية بأخرى خاصة بنجمهم الراحل. وبعد فايسبوك، انتشر الخبر في وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية.
وقع النبأ على أبو سليم كالصاعقة، لم يتمكن الرجل من السيطرة على مشاعره، بكى وصرخ. شرح لـ«الأخبار» تفاصيل ما جرى، وكيف نقل فهمان إلى «مستشفى الشيخ راغب حرب» في تول في النبطيّة (جنوب لبنان)، حيث أجريت محاولات لإسعافه، لكنه سرعان ما فارق الحياة. يعلّق قائلاً: «يرحلون (أفراد الفرقة) الواحد تلو الآخر، وأنا أكبرهم وما زلت حيّاً». ويشير إلى تقديم الفرقة «18 عرضاً مختلفاً حتى اليوم، ولا يزال لدينا عشرة عروض أخرى». يأسف للحال التي وصل إليها الفنان اللبناني، ويكرّر شكواه الدائمة، سائلاً: «لمَ لا تخصص الدولة معاشاً لكبار الفنانين، بدل أن تنتهي حياتهم بطريقة مأساويّة؟ أيعقل أن يحصل هذا مع الفنان، هذا لا نجده إلّا في لبنان».
ولا تبدو حال الممثل فؤاد حسن أفضل، هو الذي كتب عملاً كوميديّاً من 30 حلقة بعنوان «شوية ضحك» سيعرضه «تلفزيون لبنان» في رمضان، ويطلّ فيه محمود مبسوط. وقد صوّر المخرج باسم جابر 19 حلقة منها. كذلك سجّل فهمان 10 حلقات رمضانية لمصلحة الإذاعة اللبنانيّة بعنوان «جوكرين وقص سبيتي» من تنفيذ موريس موصللي. وكان يفترض أن تنتهي الحلقات في الأسبوع الحالي، لولا رحيله. وهو ما سيفرض تعديلاً يتخذ القرار في شأنه في الساعات المقبلة. وتضم الحلقات كلاً من فهمان وشكري وزغلول. أما علا عيد، التي تشارك في فرقة الفنان الراحل «فقش طقش»، فتشير إلى أن «الفرقة ستفتقده كثيراً كشخصيّة طيّبة، استطاعت تقديم شخصيّة المحتال باحترافية عالية، وكانت شخصيته في الحياة تتميز بالطيبة والإنسانيّة». وتشرح أنه شخص متفائل وهو ما يعكسه اسمه «مبسوط»، وتأسف أن تكون نهايته مجرّد وسام رسمي يضعه المسؤولون على نعشه.
ويصلّى على جثمان مبسوط اليوم في جامع الخاشقجي في شاتيلا (بيروت). كذلك نعته نقابة ممثلي المسرح، والسينما، والإذاعة، والتلفزيون في لبنان، وأعلنت إقامة يوم تعاز الاثنين المقبل من الرابعة حتى السادسة من بعد الظهر في دار النقابة في بدارو (بيروت).




الدقائق الأخيرة

يروي صلاح تيزاني (أبو سليم) حقيقة ما جرى على المسرح قبل وفاة فهمان: «كنا نقدم بعض المشاهد الفكاهية، فقال لي محمود إن صدره يؤلمه قليلاً، عندئذ طلبت منه أن يرتاح قليلاً خلف المسرح... وبعد أن أنهيت مشهدي، وجدته مستلقياً على الأرض ويخضع لتنفس اصطناعي». وأضاف «في المستشفى خضع لعملية قسطرة للقلب، وتبين أن ثلاثة من شرايين القلب مسدودة، وكان ينبغي أن يخضع لعملية قلب مفتوح، لكنه لم يصمد».