في أواخر آب (أغسطس) من كل عام تستقبل جزيرة «ليدو» (البندقية – إيطاليا) العالم والفن والسينما. انطلقت النسخة الأولى من «مهرجان البندقية السينمائي» في فندق «إكسلزيور» في ليدو دي فينيسيا عام ١٩٣٢، واليوم ما زال المهرجان يحوّل البندقية إلى قبلة للسينما الدولية بسحرها وعروضها الأولية ونجومها والصحافة والباباراتزي. منذ انطلاقه على يد رجل الأعمال والسياسي الإيطالي جوسبي فولبي؛ تربع المهرجان على قائمة أهم المهرجانات العالمية (مع مهرجاني كان وبرلين). عنوان أساسي لعالم السينما استقطب عدداً لا يُحصى من المشاهير (تشارلي تشابلن، صوفيا لورين، بيار باولو بازوليني، فيديريكو فيلليني، وودي ألن، كلوديا كاردينال حتى سيلفادور دالي حضر المهرجان عام ١٩٨٥)، ومصدر حكايات لا تنتهي: من الممثلة مارلين ديتريش الإلهية التي كرّمت على السجادة الحمراء عام ١٩٣٧، إلى شون كونري الذي وصل عام ١٩٧٦ إلى «ليدو» على طريقة جيمس بوند على متن قارب مائي.



من قصة بريجيت باردو مع عازف الغيتار الفرنسي ومغني الجاز ساشا ديستيل، إلى صورة بول نيومان عام ١٩٦٣ في القارب المائي التي أصبحت واحدة من أكثر الصور شهرة للممثل الوسيم.
هذا العام، يحتفي «مهرجان البندقية»، أو لنكنْ أكثر دقة «معرض الفن السينمائي» أقدم المهرجانات السينمائية العالمية، بدورته السادسة والسبعين (٢٨ آب/ أغسطس حتى ٧ أيلول/ سبتمبر ٢٠١٩). سيُتاح لعشاق الفن السابع فرصة مشاهدة أحدث الأفلام واستعادة الكلاسيكيات السينمائية وأيضاً إنهاء اليوم السينمائي بالاحتفال بالسينما والمشاركة في الحفلات والاجتماعات والمحاضرات المرتبطة بالمهرجان. يهدف الأخير إلى رفع مستوى الوعي وتعزيز السينما الدولية بجميع أشكالها كفن وترفيه وصناعة بروح من الحرية والحوار، وفق ما صرّحت به إدارة المهرجان.

ألبرتو باربيرا أسد البندقية المعاصر الواضح والصريح
منذ أن تسلّم ألبرتو باربيرا الإدارة الفنية للمهرجان عام ٢٠١٢، لم يسلم من الانتقادات. سنة تلو أخرى، أثبت باربيرا نفسه تاركاً بصماته الواضحة، بخاصة أنه تسلم المهرجان من ماركو موللر الذي أعاد للحدث بريقه الذي فقده تقريباً في التسعينيات. واكب باربيرا الحداثة بفهم عميق للسينما ومتطلباتها. هكذا، بتنا نشاهد عدداً أكبر من الأفلام المعتمدة على الحبكة والحكاية، كما رأينا أفلاماً ليست سينمائية (نتفلكس). باربيرا، منفتح أكثر، يريد أن يطمئن الجميع إلى مستقبل السينما الذي يواجه تغييراً لا يمكن وقفه. برأيه «علينا أن نكون منفتحين على كل شيء»، وهي الروح التي يتعامل بها في مهرجان عريق مثل «البندقية». لا تبدو نوعية وروح الأفلام المشاركة مختلفة كثيراً عن السنوات الماضية، حددها باربيرا بثلاثة اتجاهات: الأول هو العدد الهائل من الأفلام التي تتعامل مع مشاكل ووضع المرأة في المجتمعات المعاصرة، صنعها مخرجون رجال، فكما أوضح «هذا يكشف عن حساسية جديدة واهتمام خاص بالكيان الأنثوي، وقد يكون مؤشراً إلى الخلافات الأخيرة التي أثارتها الحركات الخاصة بالقضايا النسائية وسوء المعاملة من الذكور في كلّ مجالات المجتمع، وهي الآن قد بدأت تترك بصماتها على الضمير الاجتماعي». الاتجاه الثاني هو الأفلام المكرسة لإعادة إعمار دقيقة موثقة لأحداث من التاريخ الحديث أو القديم، خاصة الأحداث التي يمكن تشويهها بطريقة سهلة. الاتجاه الثالث الذي أشار إليه باربيرا هو «العودة إلى سينما الواقع بدلاً من الهروب إلى أكوان متوازية أو تخيلية بحت لمواجهة المشاكل». هذا بالإضافة إلى الأنواع الكلاسيكية (إثارة، حرب، رسوم متحركة)، فبرأيه لا يمكن الاستغناء عن الأفلام التي تجذب جمهوراً أوسع من جمهور سينما المؤلف. لكن نلاحظ تدني عدد الأفلام الهوليوودية المشاركة، عدا أنّ باربيرا لم يختر واحداً منها كفيلم افتتاح في سابقة هي الأولى منذ عام ٢٠١٢.

المساواة بين الجنسين، نتفليكس ورومان بولانسكي
بدأ الجدال فور إعلان المهرجان لائحة الأفلام المشاركة. إذ جوبه باربيرا باعتراضين: الأول حول أحقية مشاركة فيلم للمخرج رومان بولانسكي، والثاني بسبب عدم مشاركة عدد كافٍ من الأفلام لمخرجات نساء. دافع باربيرا عن موقفه اقتناعاً منه بدور السينما وبما يريد أن يقدمه، مؤكداً التزامه بالمعايير الفنية في اختيار الأفلام بصفتها الطريقة الوحيدة لإلغاء التمييز على عكس ما تدّعي غالبية المهرجانات في مناصرتها للكوتا. اتهم باربيرا بالعنصرية، فدافع عنه نفسه قائلاً: «إن كنت سأضع في ذهني كافة الفئات وأنا أختار ٦٠ فيلماً من أصل ١٨٠٠ تقدمت للمهرجان؛ فعليّ أن أختار أفلاماً لمخرجين سود، وأخرى لمخرجين مثليين، ثم لفئات تعرضت للتمييز لأسباب مختلفة. وفي النهاية لن يكون هذا معرضاً للفن إنما مهرجان للحقوق المدنية». لم يرضَ باربيرا الخضوع لمعايير تُفرض فرضاً على الفن، «إذا تركت هذا يحدث، فوظيفتي انتهت وحريتي انتهت».

كاترين دونوف وجولييت بينوش، وإيثان هوك في فيلم الافتتاح «الحقيقة» للياباني هيروكازو كوريدا

أما عن الاعتراضات التي وُجّهت له، لا سيما من قبل حملات «مي تو»، بسبب اختياره فيلماً لرومان بولانسكي المُدان بإقامة علاقة جنسية مع قاصر عام ١٩٧٧، فيوضح باربيرا: «علينا أن نفرق بين الرجل والفنان وإلا ستصيبنا اللعنة. لست قاضياً وما أعرفه أن بولانسكي هو أحد صناع السينما العظماء المتبقين في السينما الأوروبية والعالم». وشدد على عدم رغبته في اضطهاد المخرج كما يفعل العامة وعدم الخلط بين فنه وحياته الشخصية: «عندما تكون أمام لوحة لكارافاجيو، لا تفكر في حقيقة أنك أمام عمل لقاتل. أجد من السخف عدم القدرة على التمييز بين ذنب الشخص وقيمته كفنان. وإذا لم نفهم ذلك، لن نصل إلى أي مكان. ربما يعاني بولانسكي مشاكل مع العدالة أو مع ضميره، ما يهمني أنا هو أنه صنع فيلماً رائعاً». كما أن لباربيرا رأيه الخاص بخصوص أفلام نتفليكس. بينما قرر «مهرجان كان» عدم إشراك نتفليكس في المسابقة الرسمية لأنها ليست أفلاماً سينمائية ولا تتبع القوانين الفرنسية بشأن العرض في الصالات ــ وهو أمر أجده محقاً جداً ـ يرى باربيرا ــ بصفة شخصية ــ أن نتفليكس شركة إنتاج مثل أي شركة أخرى يختار منها ما يوافق المعايير الفنية.

الجودة قبل أيّ شيء
عندما كشف النقاب عن الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية وغيرها من الأقسام؛ كان واضحاً خط التطور الذي يسير عليه المهرجان: احتضان أفلام شباك التذاكر والاستوديوهات الكبيرة من دون التخلّي عن سينما المؤلف. بالتالي ضمت القائمة أفلاماً لمخرجين كبار وبعض الأسماء الواعدة. ٣٦٢١ فيلماً تقدّمت للمهرجان وشُوهدت من ٥٣ بلداً. ١٨٣٣ فيلماً طويلاً (١٨٨ منها من إيطاليا). ١٦٢٧ فيلماً قصيراً (١٤٦ من إيطاليا)، و١٦١ فيلماً بواقع افتراضي (virtual reality). ٢١ فيلماً سوف تنافس على «الأسد الذهبي». ١٧ فيلماً خارج المسابقة. ٧٥ فيلماً تقريباً موزعة على المسابقات الأخرى (Orizzonti, Sconfini, Biennale college, short films...). بالإضافة إلى مسلسلين جديدين، أحدهما للإيطالي باولو سورنتينو «البابا الجديد» (الجزء الثاني من «البابا الشاب»)، و٣٦ مشروعاً عن الواقع الافتراضي من بينها ٢٦ داخل المسابقة، و٢٠ فيلماً كلاسيكياً رُممت خصيصاً للمهرجان، وتسعة وثائقيات عن السينما.

يقدّم أحمد غصين باكورته الروائية الطويلة «جدار الصوت» (إنتاج أبوط بروداكشن) عن عدوان تموز 2006

الياباني هيروكازو كوريدا الحائز سعفة «كان» الذهبية عام ٢٠١٨ عن فيلم «سارقو المتاجر»، سيفتتح «مهرجان البندقية» السادس والسبعين بفيلمه الجديد «الحقيقة». في هذا العمل (بطولة كاترين دونوف، جولييت بينوش، وإيثان هوك)، تقوم دونوف بدور نجمة سينمائية. وعندما تنشر مذكراتها، تعود ابنتها لومير (بينوش) من نيويورك إلى باريس مع زوجها (هوك) وطفلها الصغير. «سوف يتحول لمّ الشمل بين الأم وابنتها بسرعة إلى مواجهة: تكشّف الحقائق، تسوية الحسابات والاستياء من الاعترافات»، وفقاً لملخّص الفيلم في بيان المهرجان. في كلمة الشكر التي ألقاها، يقول كوريدا: «صورتُ الفيلم على مدى عشرة أسابيع في الخريف الماضي في باريس». وأضاف: «يروي العمل قصة عائلة صغيرة، تجري أحداثه بشكل أساسي داخل المنزل، فقد حاولت أن أجعل شخصياتي تعيش داخل كون صغير، بأكاذيبها، فخرها، ندمها، حزنها وفرحها». «الحقيقة» يمثل العمل الأول للمخرج خارج اليابان، وهذا ما نحن في انتظاره؛ ما يمكن أن يقدمه المخرج خارج بيئته المعتادة التي نجح فيها، خاصة أن عدداً من المخرجين سبقوه وصنعوا أفلاماً خارج بيئتهم ولم ينجحوا إلى حد كبير، نذكر منهم الإيراني أصغر فارهادي الذي صنع فيلمه الأخير في إسبانيا ولم يكن بجودة الأفلام التي قدمها في بلده الأم. الفرنسي البولندي رومان بولانسكي سينافس على الأسد الذهبي بـ «ضابط وجاسوس» (J’accuse (An Officer And a Spy. فيلم تجسس تاريخي مبني على رواية روبرت هاريس التي تحمل العنوان نفسه، من بطولة الفرنسي جان دوجاردان (الحائز جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن فيلم «الفنان» عام ٢٠١١). أراد بولانسكي أن يروي القصة منذ سنوات، وقد يكون فيلمه الجديد الأكثر شخصية وقوةً منذ «عازف البيانو» (٢٠٠٢). علماً أننا رأينا بولانسكي عام ٢٠١٧ في «مهرجان كان» (خارج المسابقة الرسمية) بفيلم «مقتبس عن قصة حقيقية» لم يُستقبل بحفاوة كبيرة ونُسي بعد فترة قصيرة.
روي أندرسون يعود بعد غياب سنوات، وتحديداً منذ عام ٢٠١٤ عندما حاز جائزة «الأسد الذهبي» لأفضل فيلم في «البندقية» عن فيلمه «حمامة جلست على غصن تتأمل الوجود»، وهو الفيلم الثالث من «ثلاثية الحياة». في فيلمه الجديد «عن الخلود»، يتابع السويدي تعبيره السينمائي عن التفكير في الإنسانية بكلّ جمالها ووحشيتها كما فعل في أفلامه السابقة، معبّراً عن سينماه الخاصة، وموضحاً معنى أن نكون بشراً ومعنى البقاء على قيد الحياة.
التشيلي بابلو لارين يعود إلى «ليدو» بعدما شارك في المهرجان عام ٢٠١٦ بفيلم «جاكي» (سيرة جاكلين كينيدي)، وبعدما قدم في السنة نفسها فيلم «نيرودا» عن الواقع الشيوعي في تشيلي عام ١٩٤٨ وكيف اضطر الشاعر بابلو نيرودا للفرار من البلاد. ولا يمكن إغفال تحفة لارين السينمائية «النادي» وهو حلقة مفرغة وهاوية إلى الجحيم، ينتقد فيه السلطة الكنسية غير القادرة على معاقبة أعضائها. وقد فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم في «مهرجان برلين» عام ٢٠١٥. يقدم لارين هذه السنة شيئاً جديداً لم يقدمه من قبل، حول شخصيات تعبّر عن نفسها من خلال الرقص المعاصر، ولكن الفيلم لن يكون موسيقياً، إذ أوضح لارين: «هذه ميلودراما، لم أقم بها من قبل، حيث تعد عواطف الناس للآخرين ضرورية للقصة، هناك الكثير من الموسيقى والكثير من المشاهد حيث يتقاسم الناس مشاعرهم بشكل أساسي».
الفرنسي أوليفيه أساياس يعود إلى الجزيرة بعدما شارك في المهرجان السنة الفائتة بفيلم «غير خيالي»، وبعدما قدم «كارلوس» عام ٢٠١٠ و«بعد أيار» عام ٢٠١٢ (أفضل سيناريو ـ مهرجان البندقية ٦٩). يقدم هذه السنة «شبكة الدبور» الذي يحكي القصة الحقيقية للجواسيس الكوبيين في الأراضي الأميركية خلال التسعينيات، عندما قامت جماعات مناهضة لكاسترو المتمركزة في فلوريدا بشن هجمات عسكرية على كوبا، وقامت الحكومة الكوبية بالردّ بـ «شبكة الدبور» للتسلل إلى تلك المنظمات. كتب أساياس السيناريو مستنداً إلى كتاب فرناندو موريس «آخر الجنود في الحرب الباردة: قصة الكوبيين الخمسة».
الأميركي ستيفن سودربيرغ الذي كان أصغر من حاز سعفة «كان» الذهبية بفيلم «جنس، وأكاذيب وشريط فيديو» وهو في السادسة والعشرين من عمره؛ يقدم في البندقية هذه السنة The Laundromat. شريط مستوحى من أحداث أكبر تسريب للبيانات في العالم، يستند إلى وثائق بنما وإلى التحقيق العالمي من قِبل اتحاد الصحافيين الدوليين الاستقصائيين وأكثر من مئة شريك إعلامي لفضح المنظومات المصرفية الخارجية «الافشور».
الأميركي نواه بومباك صاحب الإنتاج الغزير، يقدم «قصة زواج» أو بالأحرى قصة طلاق بين مخرج مسرحي وزوجته اللذين يتشاركان ابناً واحداً. الكندي أتوم أجويان يقدم سيناريو من كتابته هو «ضيف شرف» عن علاقة بين الأب وابنته البالغة عشرين عاماً التي تفضل البقاء في السجن بسبب اعتداء جنسي رغم أنها تستطيع إثبات براءتها. يجد الاب وابنته نفسيهما يتصرفان خارج حدود السلوكيات المقبولة بينما يطاردهما الماضي. الكولومبي سيرو جيرا يقدم «في انتظار البرابرة»، والبرتغالي تياغو غويدز A Herdade، فيما يشارك الأميركي جيمس غراي بفيلم خيال علمي منتظر من بطولة براد بيت يحمل عنوان «أد استرا». أيضاً، يقدّم تود فيليبس فيلماً منتظراً آخر هو «الجوكر»، إلى جانب مشاركات للفرنسي روبير غيديغيان ( Gloria Mundi)، والصيني لو يي (السبت الخيالي)، والإيطالي بيادرو مارسيلو (مارتن ايدن) ومواطنه المخضرم فراكو مارسكو في وثائقي «المافيا لم تعد كما كانت عليه»، والتشيكي فاكلاف مارهول الذي يقدم «الطائر الملون» المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه عن الحرب العالمية الثانية من وجهة نظر صبي صغير. الإيطالي ماريو مارتوني الذي شارك العام الماضي، يعود إلى المسابقة بدراما ممزوجة بجريمة تحت عنوان «عمدة ريون سنانيتا». المرأة الثانية المشاركة في المسابقة الرسمية هي الاسترالية تشانن ميرفي بفيلم BabyTeeth. وأخيراً من هونغ كونغ، يعود المخرج يونفان إلى الشاشة الكبيرة بعد غياب طويل بفيلم رسوم متحركة هو الأول له من هذا النوع بعنوان No.7 Cherry Lane.
كثير من المخرجين سوف تُعرض أفلامهم خارج المسابقة الرسمية وفي مختلف فئات المهرجان منهم المخضرم كوستا غافراس، غاسبار نوي الذي يقدم فيلم Irreversible بتوليفة جديدة، تيم روبنز، اندريا سيرجي وغيرهم. وكما ذكرنا، فـ «البندقية» أقدم مهرجان سينمائي في العالم، وقد أصبح في السنوات الأخيرة نقطة انطلاق مهمة لموسم الجوائز لكل من استوديوهات هوليوود والعالم والأفلام المستقلة. من هنا جاء تعيين المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتل رئيسة لجنة التحكيم، هي التي قالت: «إنه لشرف ومسؤولية وسرور أن أكون جزءاً من هذا الاحتفال بالسينما». كما سيتم تكريم الممثلة الإنكليزية جولي أندرزو والمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار.

«البندقية كلاسيك»: تحف لا تنسى
سترأس المخرجة وكاتبة السيناريو الإيطالية كوستانزا كواترجيلو لجنة تحكيم طلاب السينما التي ستمنح ـ للسنة الثامنة على التوالي ـ جوائز كلاسيكيات البندقية: جائزة أفضل فيلم كلاسيكي مرمّم، وجائزة أفضل وثائقي عن السينما. ستتكون لجنة التحكيم من ٢٢ طالباً، كل منهم موصى به من قبل أساتذة السينما من مختلف الجامعات الإيطالية. ستشمل إعادة الترميم والعرض أفلاماً مثل: The White Sheik للإيطالي فيديريكو فيلليني الذي عرض للمرة الأولى في «البندقية» عام ١٩٥٢. وهناك ثلاثة أفلامٍ للمخرج برناردو بيرتولوتشي، الذي رحل عنا العام الماضي، هي: Double bill وThe Grim Reaper عام ١٩٦٢، The Spider’s Stratagem عام ١٩٧٠. وسيعرض لجويليانو مونتالدو أول فيلم طويل أخرجه وعُرض في المهرجان عام ١٩٦١ هو Pigeon Shoot إلى جانب: تحفة البرتغالي مانويل دي اوليفييرا Francisca (١٩٨١)، وNew York New York (١٩٧٠) لمارتن سكورسيزي التي رمِّمت خصيصاً للمهرجان. لويس بونويل حاضر أيضاً بفيلمه The Criminal Life Of Archibalo De La Cruz (١٩٥٥)، والكوبي توماز جويتيريز أليا بـ Death Of A Bureaucrat (١٩٦٦)، وهو فيلم كوميدي بنكهة نقدية ساخرة عن البيروقراطية الشيوعية في كوبا وكيف تؤثر على حياة عامة الناس الذين يضطرون لإضاعة الوقت والتغلب على العقبات لمجرد الاستمرار في الحياة العادية. The House Is Black هو الفيلم الوحيد الذي صورته الشاعرة الإيرانية الراحلة فروغ فرخزاد. وثائقي (٢٠ دقيقة) أعيد ترميمه وسيعرض في مسابقة الكلاسيكيات.
عدم اختيار فيلم هوليوودي في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عام ٢٠١٢

الفيلم عبارة عن مشاهد صورتها فرخزاد في مستعمرة الجذام في بابا باغي، في محافظة أذربيجان الشرقية، في إيران. مع صوت الشاعرة تتلو مقاطع من «الكتاب المقدس» (العهد القديم) والقرآن وبعض أشعارها الخاصة. يعد الفيلم علامة بارزة في السينما الإيرانية، مع واقعية إنسانية حية لمجتمع معزول، يعتبر أنه فتح الباب للموجة السينمائية الجديدة في إيران (١٩٦٠ ـــ ٢٠١٠). في فيلمها واقعية وإنسانية، أطفال نساء ورجال وكبار سن مشوّهون تجتمع أصابعهم ببعض وتلتصق جفونهم بعيونهم. النقطة هنا ببساطة هي الكشف عن صور أشخاص من فئة واحدة (نعم، هذا هو المصطلح الصحيح الواقعي والطبيعي). بكاميرا وثائقية وقحة، سوداء وبيضاء وريفية، وفي الخلفية قصائد وآيات مسؤولة عن إعطاء شيء مختلف عما قد يكون مجرد فيلم وثائقي أرثوذكسي. فرخزاد التي تمثل رمزاً حقيقياً للتطور الثقافي لبلادها؛ اقتحمت المشهد السينمائي بعمل غير مألوف، وإلى اليوم لا يزال الفيلم يثير الحساسية ويزعج كل من اقترب منه. تكمن عبقرية الفيلم في قدرة المخرجة على إعداد الخيوط والصور والشعر والكلمات وتجميعها بهذا الوضوح مع افتقار إلى الأخلاق الزائفة. فرخزاد لا تشفق، تواجه حقيقة الجذام مباشرة وتبين لنا بكل بساطة ما شاهدته وشعرت به. يستمر الفيلم في التقدم بطريقة عدائية وغير مريحة يُظهر لنا الجانب اليومي للحياة البشرية: الأطفال يضحكون ويلعبون ويهرعون الى الكرة. هدوء الفتيات وهن يسرحن شعرهن، النساء اللواتي ما زلن جميلات رغم المرض، والرجال ــ على الرغم من صلابة وجوههم ــ لا يزالون يضحكون. الإيرانية مهتمة بتجسيد هذا المرض، بمشاركتنا الألم والرعب والشعر الغنائي. قلة من الناس تعرف كيفية الحصول على الجمال في تلك الغابة من التشوهات التي تختبئ وراء جدران مستعمرة الجذام. قرب نهاية الفيلم، يسير السكان تجاه الكاميرا بينما تتحرك للخلف، يتوقف السكان وتبدأ أبواب المستعمرة بالانغلاق تاركةً إيانا في الخارج. هذا هو الفصل بين السينما والحياة، الحد الأقصى لما يمكن أن ننظر إليه، يجب علينا البقاء في الخارج. السينما هي فنّ ما هو مفقود، يتجلى ذلك في هذا الوثائقي، فمن خلال السينما نرى ما لا يمكن أن نراه في الحياة اليومية.

المشاركة العربية
سبعة أفلام عربية تشارك في فئات «مهرجان البندقية» المختلفة، على رأسها فيلم السعودية هيفاء المنصور «المرشحة المثالية»، وهو الفيلم العربي الوحيد الذي يشارك في المسابقة الرسمية على جائزة الأسد الذهبي. الفيلم، الذي صوّر في الرياض، يتتبع مسار طبيبة تقرر خوض انتخابات بلدية في مجتمع رجالي ومحافظ. وكان «وجدة» أول فيلم سعودي يشارك في تظاهرة «آفاق» عام ٢٠١٢ وأول فيلم سعودي يمثل المملكة في منافسات جوائز الأوسكار. بدأت صناعة السينما رسمياً في السعودية قبل أقل من عامين، فمنصور صوّرت «وجدة» بينما كانت مختبئة داخل شاحنة وتواصلت مع طاقم التمثيل والممثلين والتقنيين من خلال اللاسلكي. تغير الوضع كثيراً اليوم وهي الآن تنعم بحرية كاملة في ممارسة صناعة الأفلام، بخاصة أن مجلس الأفلام السعودي موّل جزءاً من مشروعها. فيلم سعودي آخر هو «سيدة البحر» لشهد أمين يشارك في «أسبوع النقاد». الفيلم أيضاً نسائي يحكي قصة ابنة صياد سمك تهرب من قريتها الفقيرة خوفاً من أن يمنحوها لحوريات البحر المتوحشة. فيلم عربي آخر يشارك في «آفاق» وهو «بيك نعيش-أبن» للمخرج التونسي مهدي برصاوي، بينما أدرج فيلم مواطنه النوري بوزيد «الفزاعات» في برنامج الأفلام التجريبية. وهناك فيلم ثالث من تونس في «أيام البندقية» هو «أريكة» لمنال العبيدي، إلى جانب أول مشاركة سودانية متمثلة في «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلاء. أضف إلى ذلك فيلماً عراقياً من إنتاج هوليوودي هو «موصل» لمحمد الدراجي يعرض خارج المسابقة.

العودة إلى الواقع... وترميم الذاكرة السينمائية


من لبنان، يقدّم أحمد غصين باكورته الروائية الطويلة «جدار الصوت» (إنتاج أبوط بروداكشن) التي تدور أحداثها في لبنان (مقتبس عن قصة حقيقية) إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز ٢٠٠٦ . خلال وقف إطلاق النار لمدة ٢٤ ساعة، يخرج مروان من بيروت متجهاً إلى الجنوب بحثاً عن والده الذي رفض مغادرة قريته الجنوبية، ويترك زوجته رنا وحدها تستعد للسفر إلى كندا. لم يجد مروان أي أثر لوالده، وسرعان ما يعود إطلاق النار ويضطر للجوء إلى منزل نجيب، صديق والده. يجد مروان نفسه محاصراً تحت وطأة القنابل مع نجيب ومجموعة من كبار السن وأصدقاء والده. يتصاعد التوتر داخل المنزل وخارجه، تدخل فجأة مجموعة من الجنود الإسرائيليين الطابق الأول من المبنى، يُحاصر مروان ومن معه... ويخرج الوضع عن السيطرة. وكان أحمد غصين (مواليد بيروت ــ ١٩٨١) نال جائزة أفضل مخرج في «مهرجان بيروت الدولي للسينما» عام ٢٠٠٤ عن فيلمه القصير Operation Nb. وحاز أيضاً جائزة أفضل فيلم قصير في «مهرجان تريبيكا الدوحة السينمائي» عام ٢٠١١ عن فيلم «أبي لا يزال شيوعياً». أخرج العديد من الأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية ومقاطع الفيديو، وعرضت أفلامه في العديد من المعارض والمهرجانات السينمائية العالمية مثل أوسلو وبرلين. «الحرب ليست فقط موت ودمار، إنها اختفاء للذكريات، لا أريد لذاكرتي أن تمحى» هذه العبارة قالتها والدة أحمد بينما تقف على ما خلّفته الحرب من دمار. وقد صرّح غصين عن فيلمه «جدار الصوت»: «منازل التهمت، قرى بأكملها دمرت. رؤية كل هذا أشعرتني بالحاجة لاستعمال كاميرتي لإحياء هذه الذاكرة، في محاولة لدرء الدمار. مروان ذهب للبحث عن والده لحفظ ما تبقى من نزاهته وعلاقتهما. فيلمي يسأل: هل الخيار الباقي لجيلي وأولادنا في لبنان اليوم هو الهجرة، هل هذا خيارنا الوحيد؟».