في آب الماضي، هُدم تحت جنح الليل أحد المباني التراثيّة الخمسة المعروفة بـ«جزيرة مار نقولا» في العقار الرقم 575 في شارع عبرين في الأشرفية، رغم طلب وزارة الثقافة وقف أعمال الهدم. بعد منتصف ليل الاثنين الماضي، انهار مبنى آخر في المنطقة نفسها المعروفة بمبانيها التراثيّة، تحديداً في شارع سليم بسترس في التباريس، وهو الشارع الفرعي المُفضي إلى تقاطع برج الغزال. انهيار المبنى لم يكن سببه الهدم المباشر، إنما «الممنهج» الذي يؤدّي إلى تساقط المباني التراثيّة في منطقة بيروت واحداً تلو الآخر.
المبنى الذي انهار معروف بمبنى «مرهج»، في العقار 1117، ويضم اربع طبقات مهجورة ما عدا الطابق الأرضي الذي يضمّ «الفرن اللبناني» المصمّم بطريقة تراثية تتناسب والمبنى. من كان يمرّ في الشارع قبل فجر أمس، لم يكن ليلاحظ أن المبنى مهدّد بالسقوط خصوصاً أن تصميم الفرن المستأجر جمّل من واجهته. الانهيار دمّر المبنى كاملاً، في حين صمدت قناطر الطبقة الأرضيّة وبقيت مغطّاة بالردميات... وهو ما يشير «إلى أن أساسات المبنى جيّدة في حين أن الطبقات قد تكون أضيفت إليه خلال الحرب بشكل غير مدروس وهي التي انهارت» وفق أحد السكان، وهو ما ينفيه تصنيف وزارة الثقافة للمبنى التراثي. الأضرار لحقت بالمبنى الملاصق الذي يفوق المبنى المنهار ارتفاعاً ويعدّ بالمقارنة به «حديثاً»، إذ سقطت أجزاء من جدرانه وكشفت داخل الشقق. الأحجار المتداعية لحقت بالسيارات التي كانت مركونة في الشارع.
نموذج تجاوز وزارة الثقافة، التي ترفض طلبات الهدم، وترك البيوت لتؤول لوحدها للسقوط، بات يتكرّر مع كلّ مبنى يريد أصحابه هدمه لاستثمار عقاراتهم بمبانٍ جديدة أو بأبراج أكثر ربحاً. مصادر «الثقافة»، شرحت لـ«الأخبار» أن «المبنى كلّه تراثي، وقد رفضت الوزراة طلب مالكه بالهدم وطلبنا منه تدعيمه وهو ما لم يقم به. الوزارة ستتقدّم بشكوى على من يظهره التحقيق فاعلاً وستطالب بوضع إشارة على العقار حتى إعادة المبنى إلى ما كان عليه، وهو ما قام به محافظ بيروت زياد شبيب». الدائرة الفنية في مصلحة الهندسة في بلدية بيروت كشفت على العقار، كما أعلنت دائرة المباني في البلدية أنها سبق ووجّهت إنذاراً عام 2012 لترميم البناء.
مشاكل الأبنية التراثية تبدأ مع عدم اكتمال لائحة الجرد للأبنية التاريخيّة، وهي لا تشمل بالمناسبة المبنى المذكور، ولا تنتهي عند استهتار البلديّات، وتناسي مشروع قانون حماية الأبنية التراثية (عام 2000) العالق إلى حينه لدى اللجان النيابيّة المشتركة. المشاكل باتت تتعدّاها إلى موضة «إهمال المالكين لها بشكل متعمّد، وفكّ بعض أثاثاتها وفتح الشبابيك مثلاً، إلى أن يصبح المبنى مع مرور الوقت وعوامل الطقس، مهدّداً بالسقوط ويشكّل خطراً على محيطه... فيعمد حينها المالكون إلى طلب هدمه، أو يقومون بإسقاطه عن قصد وفي ظرف معيّن كالأحداث الأخيرة» وفق مصادر الوزارة.

يعمد مالكو الابنية التراثية الى إهمالها لكي تتداعى وتسقط لاقامة ابراج مكانها


صاحب البناء صرّح بأنّ أضراره كبيرة وأنه كان يحتفظ ببضاعة في الطبقة الأولى وحاجيّات في الطبقة الثانية. في حين جال وزير الثقافة والزراعة عباس مرتضى والأمين العام للهيئة العليا للإغاثة محمد خير على المكان، وأعلن مرتضى «أن طلب هدم المبنى قدّم عام 2007 وحمل الرقم 1086 في عهد الوزير السابق طارق متري، وبعد رفضه، يبدو أنه حدث استهتار ولم يرمّم... وقد طلبنا فتح تحقيق في الحادثة وإحالة الملف إلى القضاء».
وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي، أصدر من جانبه تعميماً طلب فيه «من محافظة مدينة بيروت اتخاذ الإجراءات اللازمة لإجراء مسح فني شامل للمباني القديمة المتصدّعة الآيلة للسقوط، في محيط مكان الحادثة في منطقة التباريس بشكل خاص، وفي المحافظة بشكل عام، بغية التأكد من عدم وجود خطر انهيار لمبان أخرى متاخمة، والعمل على إبلاغ مالكي المباني المهددة بالسقوط وجوب إجراء التدعيمات اللازمة». كما طالبت «الهيئة اللبنانية للعقارات» بـ«إجراء المسح الميداني للمباني القديمة تفادياً لوقوع ضحايا وأضرار جسيمة في الأملاك العامة والخاصة».