على غير عادتها، خَلَت نيويورك مِن المارة، إلا قرب المرافق الطبية أو متاجر الأغذية. لم تكن المدينة المكتظّة التي تَعدُّ 8.6 ملايين نسمة، يوماً بهذا الهدوء. لكنّها تحوّلت، في غضون أيام قليلة، إلى بؤرة تفشّي وباء «كورونا» في أميركا. الوتيرة المتسارعة لتمدُّد الفيروس في بلدٍ يعاني أصلاً نقصاً هائلاً في المستلزمات الطبية على اختلافها، رَفعت عدد الإصابات في المدينة إلى أكثر من 12 ألفاً مِن مجموع 21 ألفاً في الولاية التي سجَّلت 157 وفاة، وإجمالي 43 ألف إصابة في عموم البلاد (524 وفاة). وسجّلت الولاية امس أعلى عدد من الإصابات في العالم في آخر 24 ساعة، متفوقة على إيطاليا (الولايات المتحدة مجتمعة، سُجِّل فيها ضعفا عدد المسجلين في إيطاليا في آخر 24 ساعة).

أما الحديث المكرور عن البطء الأميركي في الاستجابة والفشل في إنتاج أجهزة اختبار سليمة، فلن يغيّر مِن واقع أن الكارثة حلّت. وعليه، يصبح لزاماً الردّ على هذه الاستجابة المتأخرة مِن قِبَل الإدارة الأميركية، عندما يتّجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع نهاية العام الجاري. في هذا الوقت، تخطو نيويورك على خطى إيطاليا، في انتظار ما هو أسوأ، كما تؤكّد سلطاتها، التي وجّهت نداءً عاجلاً إلى الرئيس دونالد ترامب تطلب فيه فرض إجراءات عزلٍ إلزاميّة على المستوى الوطني، في محاولة للحدّ من وطأة انزلاق البلاد إلى سيناريوهات مُكلفة على كل المستويات.
لم يعد ممكناً أن تجد في نيويورك مستلزمات الوقاية؛ اختفت الأقنعة الواقية، والمناديل المطهّرة، وكحول الأيزوبروبيل، والفيتامين سي، والباراسيتامول، وأيّ دواءٍ يخفض الحمّى لا يحتوي مضاداً للالتهابات. إضافةً إلى كل ما سبق، تعاني المدينة شحّاً في معدات الكشف عن الإصابات.

رئيس بلدية نيويورك: الأسوأ لم يأتِ بعد وهذه مجرد بداية

أكبر مستشفيات الولاية، «ويل كورنِل»، أكّد عبر موقعه الإلكتروني، أن جميع الفحوص يجب أن تخضع لموافقة وزارة الصحة التابعة لولاية نيويورك أولاً. ويقتصر الاختبار، حالياً، على المرضى الذين يعانون أعراضاً شديدة أو أولئك الذين سافروا إلى إحدى الدول الموبوءة، أو مَن كان على اتصال وثيق بحالة مسجّلة. أما المرضى الذين يعانون أعراضاً تشبه نزلة البرد، فلن يخضعوا للفحص، حتى حين يتوفّر على نطاق أوسع. يترافق الإعلان مع وضعٍ مأساوي في مرافق الرعاية الصحية في المدينة. أحد هذه المرافق، CitiMD، يحصل يومياً على مجموعَتي فحص فقط، يتمّ ادخارهما للأشخاص الذين تبيّن صورة الأشعة السينية علامات تليّف في صدورهم، وفق أحد الأطباء في المركز. ونظراً إلى شحّ هذه الاختبارات على مستوى الولاية، فإنه لن يكون في الإمكان معرفة العدد الدقيق للمصابين، ما يعني أن الأرقام الرسمية المعلَنة لا تعبّر عن الواقع.
رئيس بلدية نيويورك، بيل دي بلاسيو، دعا الحكومة الفدرالية إلى اتباع إجراءات مشدّدة في جميع أنحاء البلاد، مثل إلزامية البقاء في المنزل، وإصدار أوامر للشركات الخاصة بصنع أجهزة تنفس وأقنعة واقية: «أريد أن أرى مئات من أجهزة التنفس، وأريد أن أرى مئات الآلاف والملايين من الأقنعة. إذا لم تبدأ هذه بالوصول ابتداءً من هذا الأسبوع، سنصل إلى مرحلة لا يمكن أن ننقذ الأشخاص الذين يمكن إنقاذهم». وتحتاج الولاية، وفق حاكمها، أندرو كومو، إلى 30 ألف جهاز تَنفُّس، تبلغ كلفة كل منها ما يصل إلى 40 ألف دولار، بينما تتنافس الولايات في ما بينها لشرائها. لكن «الأسوأ لم يأتِ بعد»، وفق دي بلاسيو الذي أكّد أن «هذه مجرد بداية»، لافتاً إلى أن الإمدادات الطبية في المستشفيات العامة في المدينة تكفي لأسبوع واحد. وقال: «انسوا حالياً حِزم إنقاذ شركات الطيران. أنقذوا الناس. أنقذوا المستشفيات. أنقذوا المدن والولايات والمقاطعات».
من جهته قال المسؤول الفدرالي لقطاع الصحة العامة، جيروم آدامز، «للأسف، نرى أن نيويورك تقترب من وضع إيطاليا»، معرباً عن أسفه لأنه لا يتم الالتزام بدقة بالتوصيات الفدرالية التي تنص على العزل غير الملزم، والتي اتخذت الأسبوع الماضي لمدة 15 يوماً. في الوقت الراهن، لا يزال دونالد ترامب يتصدّى لفرض مثل تلك الإجراءات، وهو عبّر عن قلقه إزاء تداعياتها على الاقتصاد رغم أن حوالى أميركي واحد من أصل ثلاثة يفترض أنهم باتوا في العزل. في ضوء ذلك، كتب في تغريدة على «تويتر»: «لا يمكن أن نسمح بأن يكون العلاج أسوأ من المشكلة نفسها. في نهاية فترة الـ15 يوماً سنتخذ قراراً في شأن الطريق الذي نريد أن نسلكه».