مجدداً، عادت حكاية المالكين والمستأجرين. العودة، هذه المرة، ليست من باب قانون الايجارات، بل من الباب الذي فتحته الأزمة الاقتصادية مؤخراً، لناحية توتر العلاقة بين الطرفين، بعدما بات المستأجرون عاجزين عن تسديد إيجارات البيوت التي يسكنونها. بعد سبعة أشهر من عمر التدهور الاقتصادي، عادت حكاية إبريق الزيت بين الطرفين، وهذه المرة كانت شاملة، إذ لم تقتصر على العاصمة بيروت، بل طالت مناطق كثيرة لم يعد المستأجرون فيها قادرين على دفع الإيجارات التي كانت حتى ما قبل التعبئة العامة مقدوراً عليها. مع ذلك، تبقى الحصة الأكبر لبيروت، حيث 50% من السكان يحملون صفة مستأجرين، ما يضع نصف السكان أمام سيناريوات ليس أقلها التشرد. ومع بداية شهر جديد واستحقاق بدل جديد للإيجار، باشر مالكو العقارات بـ«تحرير» إنذارات الإخلاء، فيما «وفّر» بعض المستأجرين على هؤلاء عناء الإنذار، فتركوا البيوت التي يسكنونها وانتقلوا للعيش مع عائلاتهم وأقاربهم. مع ذلك، تبقى هذه الفئة أقلية، في مقابل الفئة التي «تتلقى يومياً إنذارات إخلاء، حيث تردنا يومياً اتصالات من مستأجرين مهدّدين بالإخلاء، وبعضهم جرى إخلاؤهم تعسفياً وبالقوة بمؤازرة الدرك أو شرطة البلدية من دون إذنٍ قضائي»، بحسب الباحثة المدينية في «استوديو أشغال، مرصد السكن» نادين بكداش. وهي توضح لـ«الأخبار» أن الشكاوى تراوح بين ما يتعلق بتراكم بدلات الإيجار وأخرى تتعلق بـ«عملة» البدل، حيث يصرّ مالكون كثر على تقاضي بدل الإيجار بالدولار أو ما يوازيه بالليرة. وفي هذا الإطار، تروي قصصاً تحدث كل يوم، منها قصة «مستأجر في منطقة الجناح هرب من المنزل لئلا يواجه المالك الذي يهدّده بإخلاء المنزل»، و«مستأجرة في منطقة الدورة اعتدى المالك عليها بالضرب» و«ثالث في حارة حريك انتقل مع زوجته وطفله للعيش في كاراج أمّنه له رب عمله، بعدما أخرجه المالك من البيت الذي كان يعيش فيه».

القصص كثيرة، وتنذر بكارثةٍ اجتماعية. لكنها ليست كارثة المستأجرين فقط، بل كثير من المالكين أيضاً ممن لا يملكون مورد رزق آخر غير تلك البيوت، فيما تقف الدولة متفرجة على الطرفين من دون تدخل تشريعي واضح لحمايتهما في ظرف حرج يطال الجميع. وهو ما يستدعي، وفق بكداش، «تدخل كل من وزارات الشؤون الاجتماعية والمالية والعدل عبر تشريع خاص وسريع في المجلس النيابي ينظم العلاقة بين المالكين والمستأجرين في هذا الظرف الاستثنائي لئلا يواجهوا مصيرهم وحدهم، وربط الإيجارات بمؤشر للتضخّم أو مؤشّر لارتفاع الحد الأدنى للأجور أو متوسّط المداخيل في القطاعين العام والخاص المقدّرة بالليرة اللبنانية، بما يكفل حماية المالكين والمستأجرين معاً».

المطلوب اتباع سياسة «صفر إخلاء» عبر قوانين تربط أي إخلاء بتأمين البديل


والأهم راهناً، وفق بكداش، اتباع سياسة «صفر إخلاء» وترجمة ذلك بقوانين تربط أي إخلاء بتأمين البديل وفقاً لمسؤولية الدولة في ضمان حق السكن وتأمينه لأصحاب الحاجة، خصوصاً في ظل الشتاء وفترات انتشار الوباء، لافتة إلى أن الاكتفاء بقانون تعليق المهل الرقم 160/2020 الصادر في 14/5/2020 (يعلق سريان جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية وذلك من تاريخ ١٨ تشرين أول ٢٠١٩ حتى٣٠ تموز ٢٠٢٠) «لا يحل المشكلة بل يؤجلها، إذ إن القانون ينطوي على تعليق بدلات الإيجار أثناء التعبئة العامة على أن تبقى مستحقة، مستثنياً بدلات الإيجار القديمة فقط». أكثر من ذلك، القانون تشوبه أيضاً ثغرات عديدة، إذ «لم يحدد كيفية استحقاق البدلات، وهل تستحق دفعة واحدة؟ وكيف سيتمكن ذوو الدخل المحدود من تسديدها إذا ما استحقت دفعة واحدة بعد تاريخ انتهاء التعليق؟». من هنا، تشير بكداش إلى ضرورة التعاطي مع الموضوع بجدية أكثر، وذلك يبدأ من مسؤولية البلديات في وضع لوائح وفقاً لمعايير واضحة وشفافة بالمالكين الذين يعوّلون على بدلات الإيجار كمدخول شهري أساسي، ليتم شملهم في خطتها المعنية بالدعم الاقتصادي والمساعدة الاجتماعية الطارئة.
من جهته، أشار رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة في لبنان، باتريك رزق الله، الى أن التعليق قد يفاقم الوضع الاقتصادي الصعب لكثير من المالكين الذين يعتاش بعضهم فقط من إيجار العقار ولديهم التزامات خلال فترة التعليق. رزق الله لفت في اتصال مع «الأخبار» الى أن «المالكين خسروا بسبب هبوط سعر صرف الليرة 70% من قيمة بدلات الإيجار، وإذا ما أضيف إليها معدل التضخم وغلاء المعيشة، تصبح الخسارة بنحو 300%». وأشار الى أن «المالك يريد تأجير العقار ولا يناسبه إغلاق المنزل في مثل هذه الظروف، لكن من غير المعقول أن يكون سعر صرف الدولار أكثر من 4000 ليرة ويتقاضى إيجار البيت على أساس سعر 1500». ورغم «أننا لا نقبل بتشريد المستأجرين، إلا أننا من جهة أخرى نرفض قطع أرزاق المالكين، بما يذكّرنا بمأساة الإيجارات القديمة»، داعياً الى «عقد تفاهم رضائي بين المالكين والمستأجرين، لكل حالة على حدة، بشأن قيمة الإيجار، واعتماد طريقة بالدفع عبر الجدولة أو التقسيط».