في لبنان نحو 1600 مدرسة خاصة، تضم 71% من التلامذة، نصفها تقريباً يعود لشبكة المدارس الكاثوليكية، والبقية تتوزع على الإرساليات المسيحية الأخرى والطوائف الإسلامية والجمعيات الدينية التابعة لها وبعض الأحزاب، ومنها 511 مدرسة علمانية أو إرساليات أجنبية أو مدارس فردية. جميع هذه المدارس تستفيد من مزايا وإعفاءات ضريبية سخية، بحجّة أنها مؤسسات لا تتوخى الربح، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك.


فالأهل يسددون مكرهين مبالغ طائلة ومخصصات لا تمت بصلة إلى كلفة التعليم الفعلية، إلا أنها تحقق أرباحاً غير قانونية لأصحاب المدرسة، وهذا سبب كافٍ للرد على التهويل الممارس من أن إقرار سلسلة الرواتب سيزيد الأقساط كثيراً.

بين الميزانية والقانون 515/96

بعد جهد جهيد، استطعنا الحصول على ميزانية مدرسة خاصة للعام 2011 -2012، وذلك من خلال أحد أعضاء الهيئة المالية للجنة الأهل في مدرسة يمكن تصنيفها «متوسطة الكلفة» مقارنةً بمدارس أخرى، ولا سيما في بيروت وجبل لبنان.
استطاع هذا المواطن، بالرغم من التدابير البوليسية المتخذة من قبل إدارة المدرسة، تسريب نسخة من هذه الميزانية، بعدما ساورته الشكوك بسبب رفض الإدارة توزيع النسخ لدراستها قبل توقيعها. فالتوقيع يحصل بطريقة سريعة وتحت ضغوط تمارسها الإدارة على لجنة الأهل – كما روى عضو اللجنة – علماً أن الميزانية يوقّعها المسؤولَيْن الماليَّيْن في لجنة الأهل بالإضافة إلى رئيسها، ثم يوقعها المدير/ة وتحفظ في سجلات وزارة التربية، دون تدقيق أو مراقبة رسمية سابقة أو لاحقة. وخلافاً للقانون، لا تسمح إدارة المدرسة للهيئة المالية في لجنة الأهل بالحصول على نسخة من الميزانية، بل تفرض توقيعها داخل جدران المدرسة، وفي حينه، دون السماح بمناقشتها أو عرضها على لجنة الأهل، في مهلة 10 أيام، بحسب ما تفرض المادة 10 (البندين 7 و8) من القانون 515/96.
هذا القانون يحدد توزيع الميزانية السنوية للمدارس الخاصة على النحو الآتي:
- 65%، على الأقل، من الإيرادات السنوية توزع كرواتب وأجور وملحقاتهما، وبحسب الميزانية المسربة تبلغ قيمة هذا البند نحو مليارين و566 مليوناً و245 ألفاً و326 ليرة. يضاف إلى هذا البند نحو 57 مليوناً و602 ألف و587 ليرة كاحتياط لتعويضات الصرف من الخدمة ومنح التعليم وغيرها.
- 35%، على الأكثر، هي حصة النفقات التشغيلية، وتتضمن الإيجارات، أعمال التجديد والتطوير، الاستهلاكات، الترميم والصيانة، مساعدات التلامذة المحتاجين، الهاتف والكهرباء والماء، نفقات إدارية، الرقابة الصحية والتأمين، التدفئة، والتعويض على صاحب الإجازة المدرسيّة وغيره. وتبلغ قيمة هذا البند حسب الميزانية المسرّبة، نحو مليار و378 مليوناً و500 ألف ليرة.
هذا يعني أن إيرادات هذه المدرسة في العام الدراسي 2011- 2012 بلغت 4 مليارات و200 مليون و347 ألفاً و913 ليرة. وهذه الإيرادات تمثل مجموع الأقساط السنوية التي يجب أن تتساوى بنسبة 100% مع النفقات، وهي لا تتضمن مبالغ متراكمة من السنوات السابقة، فضلاً عن أن هذه الميزانية لا تتضمن ما تتقاضاه المدرسة الخاصة من رسوم تسجيل الطلاب الجدد (فتح ملف)، والقرطاسية والكتب والثياب، والأنشطة اللاصفيّة أو الدكانة، ولا حتى المبلغ الذي تتقاضاه المدرسة أول السنة كبدلات لخدمات أخرى.

خلاصة دراسة الميزانية

لدقّة الحساب وتفنيد الأرباح، يجدر الانتباه إلى أن المدرسة تعمل فعلياً 170 يوم تدريس في السنة الدراسية، يضاف إليها عدد من الأيام للإداريين والهيئة التعليمية قبل بداية أيام التدريس الرسمية واستقبال التلامذة والتنسيق وبرمجة العام الدراسي أو التحضير، وأيام أخرى بعد نهاية العام الدراسي. وبحسب ميزانية المدرسة المسرّبة، بلغ العدد الإجمالي للتلامذة في العام الدراسي 2011 - 2012 نحو 1550 تلميذاً/ة، منهم 50 تلميذاً/ة معفىً من الأقساط بموجب القانون، وبلغ عدد الشُّعب نحو 56 شعبة، فيما بلغ عدد أفراد الهيئة التعليمية، ومن ضمنه مسؤولي المراحل والمساعدين والمنسقين، نحو 96 معلمة وأستاذاً، يضاف إليهم الهيئة الإدارية المؤلفة من المدير/ة و 11 موظف/ة إداري و 12 أجيراً مياوماً للخدمة والتنظيف.

أرباح المدارس
الخاصة تفوق 50%
من قيمة الأقساط السنوية
وبلغ القسط السنوي للتلميذ/ة نحو مليونين و800 ألف ليرة.
يتبيّن من الدراسة التفصيلية للبنود وأرقامها في الميزانية، في ضوء جميع المعطيات، أن هذه المدرسة تعتمد المبالغة في تقدير نفقاتها بحدود 40% على مستوى الأجور والرواتب للهيئة التعليمية والإدارية، وتصل المبالغة إلى أكثر من 60% في بعض النفقات التشغيلية، وذلك بهدف مراكمة أرباح بنحو مخالف للقانون 515/96 الناظم لميزانيات المدارس الخاصة. فعلى سبيل المثال يتبين (من دراسة البندين 1و2 من الميزانية) أن الفارق في حساب رواتب أفراد الهيئة التعليمية من الملاك وخارجه يصل إلى 500 مليون ليرة، أي بنسبة 30%، بين الميزانية والأرقام الواقعية. كما هي الحال بالنسبة إلى الموظفين الإداريين حيث المبالغة تصل إلى 50%. كذلك يتبين أن نسبة الـ 15% من الأجور والرواتب وملحقاتها (البند 7) التي يشترطها القانون كاحتياط لتعويض نهاية الخدمة لأفراد الهيئة التعليمية في حال الإغلاق القسري للمؤسسة، هو مبلغ يجب إعادته إلى أهالي التلامذة عند نهاية كل عام دراسي، لكن المدارس لا تعيده إطلاقاً.
حصيلة هذه الحسابات تشير إلى مبالغة في تقدير مجمل الرواتب والأجور وملحقاتهما تصل إلى 43%، أي نحو مليار و93 مليون ليرة، وهي تتحوّل أرباحاً مخالفة للقانون. وتشير بالتالي إلى أن قيمة الرواتب والأجور لا تمثل 65% على الأقل كما يشترط القانون، بل 33.5% من مجموع الإيرادات السنوية.
أما في باب النفقات التشغيلية، فتوجد مبالغة واضحة، لكون التقديرات تعتمد على نظام الفاتورة، في حين أن شركات التدقيق المحاسبية تتستر على المخالفة. فعلى سبيل المثال (البند 21) تقدّر فاتورة الهاتف السنوية في الميزانية المسربة نحو 15 مليوناً و500 ألف، مقسومة على 170 يوم تدريس، أي ما يعادل فاتورة يومية بقيمة 90 ألف ليرة. فإذا اعتُمد سعر الدقيقة على الخط الثابت 100 ليرة، يكون الهاتف في المدرسة مشغولاً دون توقف بمقدار 15 ساعة يومياً. وإذا اعتُمدت التسعيرة القصوى للمكالمة الهاتفية الخلوية 300 ليرة للدقيقة، يعني أن الهاتف مشغول أكثر من 5 ساعات دون توقف في اليوم، وهو يتنافى مع تقديرات مصدر مطّلع على حاجات استخدامات الهاتف (المدرسة ليست متصلة على الإنترنت بعد) التي تدور حول مبلغ 4 ملايين و500 ألف ليرة سنوياً.
وأيضاً، على سبيل المثال، تبلغ تسعيرة التأمين نحو 7500 ليرة على التلميذ/ة لدى معظم الشركات، في حين أن التدفئة لمدرسة على الساحل تحتاج إلى 20 مليون ليرة في حد أقصى لتشغيل تدفئة مركزية على مدى 5 ساعات يومياً لمدة 100 يوم تدريس. كذلك تُقَدَّر الاستهلاكات بنحو 100 مليون ليرة، وهي محددة بجدول من وزارة المالية... ميزانية المدرسة الخاضعة للدرس تجني أرباحاً تصل إلى 67 مليون ليرة من المبالغة في تقدير هذه البنود فقط. وهذا ينطبق على بند التجديد والتطوير الذي تصل مبالغه (البند 27) إلى 220 مليون ليرة. بينما لا تتعدى نفقاته، بحسب المصدر المطلع، أكثر من 38 مليون ليرة. فالمبلغ المخصص في الميزانية للتجديد والتطوير يكفي لتجهيز مدرستين بتجهيزات جديدة وكاملة.
يضاف إلى كل ذلك (البند 28) مساعدات التلامذة المحتاجين، وقيمته 220 مليون ليرة، أي قسط سنوي كامل لـ 77 تلميذاً/ة، دون تحديد المعايير أو لائحة بأسماء المستفيدين أو النسب. ويمكن أن نستنتج من خلال ممارسات المدارس الخاصة أن هذا المبلغ لا يصل فعلياً إلى هذا العدد من التلاميذ، وبالتالي يذهب الفائض إلى جيوب أصحاب المدرسة.
في خلاصة النفقات التشغيلية، يتبين أن المبلغ الوارد في الميزانية، أي ملياراً و378 مليوناً و500 ألف ليرة، هو مبالغ فيه، وقام أحد الخبراء في المحاسبة بتقديره، في ضوء إعادة درس المعطيات، بنحو 709 ملايين ليرة، أي نسبة الـ 35%، على الأكثر، كما ينص القانون، تصبح 19% فقط.

تقدير الأرباح الفعلية

الفارق بين تقديرات الميزانية والنفقات الفعلية المحققة يصل إلى نحو مليار و604 ملايين ليرة، هي أرباح إضافية غير معترف بها تذهب إلى جيوب أصحاب المدرسة. وهذا التقدير يضاف إلى أرباح من خارج الميزانية، تقدّر بمليار ليرة سنوياً، تنتج من رسوم فتح الملف، التسجيل، الأنشطة اللاصفية، الرحلات، النوادي الرياضية، القرطاسية، الثياب، الدكانة، الأنشطة الصيفيّة، النقل والباصات، وغيرها.
في حالة المدرسة صاحبة هذه الميزانية، تقدّر أرباح اصحابها بنحو 2.6 مليار ليرة سنوياً، فضلاً عن تعويض أصحاب المدرسة القانوني المحدد في الميزانية بنحو 500 مليون ليرة سنوياً. أي إن الأرباح المعلنة وغير المعلنة والمعفاة من أي ضرائب تشكّل نحو 50% من إيرادات الأقساط السنوية البالغة نحو 4 مليارات ليرة.
الجدير بالإشارة أن هذه المدرسة عمدت إلى زيادة القسط السنوي من مليونين و850 ألف ليرة إلى 3 ملايين و550 ألف ليرة في العام الدراسي 2012-2013، من دون أن تزيد رواتب أساتذتها أو النفقات. أي إن الأرباح الإضافية في عام 2014 ستصل إلى نحو 3.7 مليارات ليرة.
هذا يعني أن التدقيق في ميزانيات المدارس الخاصة غير المجانية يسمح بالمطالبة بخفض الأقساط، لا التهديد بزيادتها لمواجهة مطلب المعلمين بتصحيح رواتبهم المجمدة منذ أكثر من 16 عاماً.



■ للاطلاع على الدراسة الكاملة أنقر هنا
■ أنجزت هذه الدراسة بمشاركة عدد من أهالي التلامذة والمختصين
■ للمزيد من المعلومات، يمكن زيارة صفحة لجان الأهل البديلة على الفايسبوك
https://www.facebook.com/pages/Alternative-Parents-Committees/299033073594643?fref=photo