إذا كان ارتفاع أقساط المدارس الخاصة بوتيرة عالية يُغضب الأهالي، فإنّ هؤلاء مطالبون بأن لا يكونوا غطاءً للأرباح غير المشروعة لهذه المدارس. كيف ذلك؟

دور لجان الأهل منصوص عليه في القانون 515 الذي مدد العمل به والمتعلق بأصول تحديد الأقساط المدرسية في المدارس الخاصة غير المجانية. فاللجان تراقب الميزانية السنوية للمدرسة وتناقشها وتوافق عليها، كما من واجبها تعيين مندوب عنها للمحاكم الخاصة بالمدارس، وهو أمر لم تقم به اتحادات لجان الأهل، ما سبب تعطيل المجالس التحكيمية التربوية وراكم مئات الشكاوى المقدمة من الأهالي في مختلف المحافظات.

في الواقع، يوقّع المندوب المالي ورئيس لجنة الأهل على الميزانيات من دون مناقشتها فعلياً مع باقي أعضاء اللجنة والأهل أو مع خبراء في المحاسبة للتدقيق فيها، إذ يجري عادة الاكتفاء بالتأكد من أن 65% من الميزانية تذهب إلى رواتب وأجور الهيئتين التعليمية والإدارية، و35% إلى نفقات المدرسة كما ينص القانون، فيما الشيطان يكمن في التفاصيل. هنا يخرج مصدر مسؤول في وزارة التربية ليقول إنّ القانون نفسه لا يحمي لجنة الأهل، إذ ليست هناك مادة تمنع إدارة المدرسة من ابتزاز الأهل أو اتخاذ أي إجراء بحق التلامذة في نهاية العام الدراسي إذا لم تصدّق اللجنة على ميزانية المدرسة، ومع ذلك هناك لجان لا توقع ميزانيات، وإن كانت نسبتها ضئيلة. لكن هذا الكلام يغفل التواطؤ بين الإدارات واللجان خدمة لمنافع شخصية تؤمنها المدارس لأعضائها.
ماذا عن مراقبة الوزارة لهذه الميزانيات؟ ألا تستطيع أن ترفضها إذا كشفت فيها أي تلاعب؟ يجيب: «ندقق بالمستندات بحسب القانون والتلاعب يحصل عادة في النفقات، ونحن لا نستطيع أن نطلب الفواتير ولا نتدخل إلّا عندما تكون الزيادة على الأقساط غير مقبولة». لكن هذا العام لن نقبل بأي زيادة، كما يقول، «إذ ليس هناك أي مسوّغ يفرض ذلك، فلا سلسلة رواتب ولا غلاء معيشة ولا مصاريف إضافية، ولا يتحججن أحد بأساليب التطوير وغيرها». يعوّل المصدر على انخراط أكثر فعالية للجان الأهل التي يجدها متقاعسة عن القيام بواجباتها، داعياً الأهالي إلى المشاركة في الانتخابات التي ستجري في تشرين الثاني المقبل في كثير من المدارس.


التلاعب بالرواتب والنفقات التشغيلية لتبرير الأقساط

وفي غياب رقيب رسمي يحدّد الزيادات وآليات قضائية فاعلة للمحاسبة، درست لجان الأهل البديلة عدداً من الميزانيات التي تكشف بعضاً من طرق الربح الخارجة عن القانون. وهي تضع المعلومات والأساليب الملتوية للمدارس لجني أموال طائلة بطرق شتى، في عهدة لجان الأهل وأولياء التلامذة للتحقق منها علمياً.
ما تعرضه اللجان في دراستها هو تحليل لميزانيات حقيقية لبعض المدارس الخاصة غير المجانية، التي قانوناً لا تبغي الربح، وبالتالي فهي معفاة من الضرائب و TVA. المجموعة تتساءل عما إذا كانت تفاصيل رواتب عدد من أفراد الهيئة الإدارية في ميزانية إحدى المدارس صحيحة أو أن هناك تزويراً وتلاعباً ومبالغات لتبرير ارتفاع الأقساط، إذ يتقاضى كل من المدير والمدير المالي راتباً شهرياً بقيمة 12 مليون ليرة لبنانية، وينال ثلاثة موظفين إداريين 4 ملايين و250 ألف ليرة لبنانية. وتسأل ما دور المستشار القانوني في المدرسة ومحاميين اثنين ليتقاضوا رواتب شهرية خيالية.
ولدى التدقيق في تفاصيل أوضاع أفراد الهيئة التعليمية الداخلين في الملاك، لا تجد اللجان البديلة تفسيراً كيف يساوي مجموع ساعات التدريس الواردة في الميزانية لأساتذة التعليم الثانوي (460 ساعة تدريس أسبوعياً) أي أكثر ما تستطيع استيعابه الشعب التسع الواردة في الميزانية (9 شعب، 35 ساعة أسبوعياً لكل شعبة، أي 315 ساعة). وتسأل: «لم تحتاج المدرسة إلى مدرسي ثانوي من خارج الملاك وعددهم 7 يدرسون 117 ساعة إضافية؟ ولماذا يتقاضى أساتذة التعاقد وأساتذة الملاك الساعات الإضافية خلال العطلة الصيفية كما هو وارد في الميزانية؟».
قد تبدو هذه الأرقام صغيرة، ولكنها تراكم مبالغ تتعدى 300 مليون ليرة سنوياً من القسم الثانوي فقط، أي نحو مليار ليرة على مستوى المدرسة ككل على الأقل. أضف إلى رسوم الضمان وصندوق التعاضد التي تصل إلى 300 مليون ليرة عن أساتذة مذكورين في الميزانية بدوام كامل، لكنهم لا يعملون فعلياً كما هو مذكور. لا تفهم اللجان البديلة أيضاً كيف يتقاضى الأساتذة والموظفون، بحسب الميزانية، بدلات نقل على مدار السنة، وفي الحقيقة هم لا يعملون في فصل الصيف ولا يتقاضونها. كذلك إنّ الأساتذة يعملون فعلياً 170 يوم عمل، ما يوازي 120 ألف شهرياً، وليس 160 ألف ل.ل، ما يراكم 100 مليون إضافية في حساب المدرسة من بدلات النقل. (187 أستاذ اً لـ 12 شهراً إضافة إلى الإداريين)
بذلك، يساوي تراكم هذه الفروقات وغيرها نحو 40% من القيمة الواردة في الميزانية تحت بند رواتب وأجور. أي ما يقارب 2.5 مليار ليرة لا يعرف أين تصرف ومن يأخذها.
وفي بند النفقات، تلاحظ اللجان مبالغة مكشوفة في العديد من البنود، فالتأمين على سبيل المثال، وقيمته الحقيقية في أغلب شركات التأمين محددة بـ 5 دولارات أميركية للتلميذ/ة، إلّا أن غالبية المدارس تضاعف المبلغ بنحو جنوني، فالقيمة الحقيقية التي تدفعها هذه المدرسة التي يبلغ عدد طلابها 2087 تلميذاً/ة هي 15.65 مليون ل.ل. وليس 95 مليون ل.ل. كما هو وارد في الميزانية، أي بفارق 80 مليوناً. أما فاتورة الهاتف فتبلغ 30 مليون ليرة خلال 170 يوماً عمل فعلي! أي فاتورة يومية بـ 176 ألف ل.ل، أي ما يقارب استخدام متواصل للهاتف بمعدل 16 ساعة يومياً، بحسب تسعيرة الخلوي.
وتقول المدرسة إنها تساعد التلامذة المحتاجين بمبلغ 850 مليوناً، أي قسط كامل للأكثر من 100 تلميذ/ة، فيما لجان الأهل لا تعرف كيف تصرف هذه المبالغ ولمن.
تجني المدرسة، بحسب اللجان، من خلال مبالغتها بالأرقام ما يقارب 40% من ميزانية المدرسة، والتي للأهل حق في استعادة هذه الأموال والمطالبة بخفض الأقساط 40% كما ينص القانون.
لا ينفي رئيس اتحاد لجان الأهل في المدارس الكاثوليكية جوزيف بطيش وجود بعض الميزانيات الشاذة عن القانون «لذا ندقق، أي يكون أعضاء اللجنة ملمين بالمحاسبة»، محملاً وزارة التربية مسؤولية المراقبة الجدية لأي تلاعب بتكليف لجنة تدقق في كل السجلات والتقارير.
ويشرح أنه لا يحق لإدارة المدرسة المطالبة بأي زيادة قبل نهاية الفصل الأول، أي بعد إنجاز الميزانية، «علماً بأنّه وردتنا شكاوى من مدارس كثيرة زادت الأقساط منذ بداية العام الدراسي بين 250 ألف ليرة و300 ألف».