ورشة عمل «الحق بالجذور»، التي نظمتها أمس «المفكرة القانونية» بالتعاون مع جمعية «بدائل»، تناولت مدى تسخير السلطة منطق الخدمة الرعائية التي يتولاها زعماء الطوائف في البلاد. تشير مديرة جمعية «بدائل» زينة علّوش الى أن المعايير الدولية المتعلّقة بتأمين الرعاية البديلة توصي بإقفال المؤسسات الكبرى التي تقدّم خدمات رعائية، ذلك أنها تحرم الطفل من الحاجة الى رعاية فردية، وهو ما يؤكده بعض الخبراء النفسيين الذين أصروا على مبدأ الحاجة الى هذه الرعاية الفردية والى ضرورة اعتماد بدائل أخرى كالبيوت الرعائية وغيرها.


إلا أن الواقع في لبنان يعدّ بعيداً كل البعد عن هذه المعايير؛ فالمؤسسات الكبيرة الرعائية «متشعبة»، وبخلاف كل ما يُروّج له (معظمها أنشئ بعد الحرب)، تستند «بدائل» في أبحاثها الى دراسات تبين أن معظم هذه المؤسسات أنشئ قبل الحرب.
وبالتالي، إن غض نظر «الدولة» عن هذه المؤسسات وتسهيلها «تشعبها» يهدف إلى دفع المسؤولية عنها أولًا، ويهدف إلى تغذية نظامها الطائفي ثانياً. وليس صدفة أن غالبية هذه الدور هي مؤسسات دينية، لكل زعيم طائفي وسياسي نصيبه فيها، وهو ما يبرر الواقع القانوني «الفاقع» المتمثّل في غياب تام لأي قانون مدني يرعى هذه المسألة وينظمها.
«لا يوجد في منظومة القوانين اللبنانية أي قانون متخصص في الرعاية البديلة»، تؤكد المحامية نرمين سباعي، لافتة الى أن ثمة بعض القرارات والنصوص المجتزأة كـ»القرار رقم 121 المتعلّق بتحديد الفئات المستفيدة من الرعاية الاجتماعية»، فضلاً عن نظامي الكفالة والتبني.
والنظام الأخير نفسه يشوبه الكثير من الإشكالات، ذلك أنه يخضع لقانون الأحوال الشخصية الخاص بكل طائفة، «وهو ما يؤدي الى الكثير من الالتباسات والإشكاليات»، يقول المحامي نزار صاغية، لافتاً الى «أن الحل يكمن في قانون مدني واضح وموحد».
توضح السباعي أن أياً من البنود لا يتطرّق الى مسألة الوصاية القانونية الواجب اتباعها تجاه الطفل، أو يحدد نوعية الرعاية التي يجب أن تقدم الى هؤلاء الأطفال.
اللافت وسط هذه «الفوضى القانونية» المادة المتعلّقة بتغريم أصحاب المؤسسات. تقول سباعي إن صياغة هذه المادة توحي بتعمد تصعيب تطبيقها، إذ يقتصر على فسخ العقود مع المؤسسة بناءً على إجراء يتخذه وزير الشؤون الاجتماعية نفسه. «كيف يمكن تحديد مستويات المخالفات؟ ومن يتخذ دور المراقب؟».

لا يوجد في منظومة القوانين اللبنانية أي قانون متخصص في
الرعاية البديلة


يروي طارق الملاح (21 عاماً) معاناته مع دور الأيتام الإسلامية، حيث تعرّض لأبشع أنواع الانتهاكات الجنسية والمعنوية.
يقول الشاب العشريني إنه هرب من الميتم «وما حدا سأل عنو، ولا حدا انتبه إنو في طفل مش موجود». «كان في أربع مشرفات ع 100 ولد»، يقول ملاح، لافتاً الى أنه عاد الى الميتم بعد هربه طلباً للمساعدة، إلا أنه لم يلق أي تجاوب، واتهم بأنه «ناكر للجميل»، لأنه تحدث عن الانتهاكات.
أكثر من مقابلة إعلامية قام بها الشاب ليوصل صرخة من هم في الميتم، من دون أن تلقى قضيته أي تجاوب مع المعنيين. إصرار طارق على مواصلة قضيته يعود الى معرفته بأن طفلاً آخر اغتصب داخل الميتم منذ حوالى 6 أشهر. «كثير قصص بتصير جوا ما حدا بيسمعنا»، يلفت ملاح الى المعارضات التي لقيها نتيجة حديثه عن الميتم. «اضطريت لأرفع هويتي وقلن أنا سنّي لبرر اعتصامي»، يقول الشاب العشريني.
يروي ملاح قصة زميله، ابن الأربعة عشر عاماً الذي عوقب واحتجزت أوراقه الثبوتية في أحد المياتم لأنه اعتدى بالضرب على المشرفة وخلع عنها الحجاب.
هذا الشاب فصل عن إخوته داخل الميتم وشهد على كثير من الانتهاكات، وفق ما تؤكد علوش، وتطرح في هذا الصدد بعض التساؤلات: «كيف لمؤسسة دور رعاية أن تطرد قاصراً من دون أن تراعي هشاشة وضعه؟ وكيف لها ألا تحاسب نفسها عن هذه السلوكيات الموجودة لديهم؟»، إلا أن تصرف هذه المؤسسات هو نتاج طبيعي لغياب منطق الدولة واكتفائها في لعب دور الممول لها.
تلفت علوش الى الميزانيات الضخمة التي تحصل عليها هذه المؤسسات وتقول: «60% من هذه المبالغ تصرف على المباني، في الوقت الذي يجري تهميش نوعية الرعاية التي تقدّم»، في حين وجد البعض أن توزيع الأموال يحصل بشكل محاصصات طائفية بحيث كل طائفة تربي رعاياها.
وتلفت السباعي الى رفض المؤسسات الأهلية «الأزلي» لأي قيد يفرضه القطاع العام، فيما تلفت علّوش الى أن هذا القطاع هو «القطاع الوحيد الذي يجب ألا يخصخص».
المفارقة تكمن في أن معظم هؤلاء الأطفال يعرفون عائلاتهم ويعون جذورهم، إلا أنهم يودعون لدى دور «الأيتام» بدافع العوز والفقر، فيضطرون الى الانسلاخ عن هذه الجذور ويصبحون زبائن لدى أصحاب المؤسسات الطائفية التي تأخذ طابع «الراعي» الحنون، في حين أنها تشكل مدرسة لإعداد مجرمين مهمشين لا يصلحون إلا ذخيرة في حروبهم العبثية.