المصيبة لا تفرّق بين فقير وغني، ولا بين مسلم ومسيحي، ولا بين أسود وأبيض. والحمى الطائفية التي يعانيها لبنان منذ ولادته ضربت السوريين ونقلت إليهم العدوى. فها هم اللاجئون السوريون المنتمون إلى الطائفة المسيحية، ينتقون لأنفسهم «المناطق التي تشبههم».


وهم في الأماكن التي اختاروها لأنفسهم، يتهرّبون من العدسات والأقلام. يردّد أغلبهم عبارات «اتركونا، يللي فينا مكفينا». وبعيداً عن التقارير الصحافية، يشرح أحدهم أنهم لا يتحدثون ويفضلون عدم الظهور بسبب اتهامهم بالانحياز إلى الرئيس بشار الأسد، وخوفهم على مصيرهم إن حكم «الإخوان» في سوريا.
لم يمض وقت طويل على وجود السوريين المسيحيين في لبنان. يشرح وليد حاصباني أنه فكّر كثيراً قبل أن يترك منزله وينتقل إلى لبنان «لكن الحياة في سوريا باتت مستحيلة. أنا أسكن في إحدى ضواحي دمشق، ولأنني وعائلتي من المسيحيين بتنا نشعر بخوف عند مرورنا على الحواجز أو حتى عند التنقل في الشوارع. لم تكن سوريا تفرّق يوماً بين الأديان قبل الأحداث هذه». لا يجد حاصباني الحياة في لبنان سهلة أبداً، لكنه يُفضل السكن في منطقة ذات هوية مسيحية في لبنان «لأنها أكثر أماناً وأهدأ، والعادات والتقاليد تتشابه» على حد تعبيره.
عدد كبير من اللاجئين استقرّ في لبنان، ولا سيما العائلات، لكن كثيرين يتخذون منه معبراً إلى دول أخرى قد تحقق لهم أملاً بحياة جديدة. تنتمي غالبية هذه الفئة إلى جيل الشباب. أنهوا دراستهم الجامعية، أو لا يزالون، ويطمحون إلى العمل أو متابعة الدراسة في الخارج. هؤلاء حفظوا غيباً مناطق السفارات ومحيطها لكثرة ما توجهوا إليها من أجل إنجاز الأوراق المطلوبة للحصول على التأشيرات والموافقات.
بدأ رامي، (اسم مستعار لأسباب متعلقة بالسفارة الفرنسية)، شاب سوري مجاز في إدارة الأعمال، رحلته بين دمشق وبيروت منذ أكثر من خمسة أشهر. قبل اشتداد الأزمة في بلده، كان لا يزال قادراً على التنقل بين العاصمتين براحة أكبر لملاحقة معاملته في السفارة الفرنسية في بيروت. لكنه قرّر منذ شهرين تقريباً الانتقال للسكن في بيروت، ومحاولة إيجاد عمل ما لإعالة نفسه إلى حين الانتهاء من المقابلات التي تجريها معه السفارة. يقول «السفارات تشدد كثيراً هذه الأيام وتتعقّب الأفراد الذين يطلبون تأشيرات. لذا، أنا لا أنخرط في أي تحرّك مع أو ضد النظام في سوريا ولا أجاهر برأيي السياسي أمام أحد. أنا مصمم على المغادرة إلى فرنسا وأريد أن أكمل دراستي وأؤمن مستقبلي». أما السبب الذي دفعه لاختيار فرنسا فيعود، بكل صراحة إلى «كوني مسيحياً، وهذا ما يسهّل العملية» (!) ورداً على سؤال لماذا؟ «لأن المسيحيين السوريين مسالمون وغير منخرطين بالأحزاب، وصفة الإرهاب بعيدة عنهم».
بين باريس، التي يطمح الجيل السوري الشاب للوصول إليها، ولندن وبرلين عراقيل كثيرة وحواجز، برغم من المناجاة الدائمة للمعارضة السورية للبلدان الغربية باستقبال الشباب للدراسة والتساهل معهم بالمنح، إلا أن الإجراءات تبقى صعبة جداً. هبة وصلت إلى لندن، لكن شقيقتها زينة صامدة في بيروت تحلم بساعة «بيغ بن» والقهوة الساخنة وسط الطقس الرمادي الدائم. تبرّر زينة للسفارة تأخرها «أعتقد أنني سأحصل على التأشيرة بما أن شقيقتي قد حصلت عليها، عندي الآن فرصة أكبر لتحقيق حلمي والخروج من كابوس الشرق الأوسط والربيع العربي، وهذه المعاملات تتطلب وقتاً طويلاً».
الوضع مختلف بالنسبة إلى العائلات التي لا تحلم بأكثر من العودة إلى حضن الوطن وترميم ما بقي من منزل مقصوف أو مهدّم وبدء الحياة من الصفر. وفي الانتظار، تحاول هذه العائلات التغلّب على المعاناة في لبنان، مثل غلاء أسعار الإيجارات، مواجهة «التعجرف» اللبناني، قلة الوظائف الشاغرة نظراً إلى المنافسة الشديدة وبالأخص على المهن الحرّة أو المؤقتة.




على فكرة

تعجز الجمعيات العاملة مع اللاجئين السوريين عن الاهتمام بكثيرين من المنتمين منهم إلى الطائفة المسيحية أو تقديم أي مساعدة لهم لأنهم غير مسجّلين رسمياً في سجلات اللاجئين لدى الأمم المتحدة. خوفهم من التصريح عن أنفسهم له أسبابه الكثيرة برأيهم. ولذا يتم التعامل معهم على أنهم ضيوف، ويصعب إحصاء عددهم نظراً إلى اختلاف المناطق التي يقيمون فيها. أمنيتهم الكبرى هي أن تهدأ الأمور في سوريا وتعود إلى سابق عهدها، مع أنهم يعلمون أن طريق العودة غير محفوظ وينتظرون بهدوء موقعهم في المعادلة الدولية الجديدة المخططة لهم.