لا تزال قضية المونسنيور منصور لبكي تثير ردود فعل كثيرة نظراً إلى غياب القضاء العدلي في متابعتها. في ما يلي ملاحظات أبدتها جمعية «المفكرة القانونية»:

بتاريخ 10 تشرين الأول 2013، أصدرت أمانة سر مطرانية بيروت المارونية بياناً حول قضية الكاهن منصور لبكي الذي صدرت بحقه أخيراً أحكاماً كنسية أدانت اعتداءات جنسية قام بها على أطفال في فرنسا. وقد رأت أمانة السر أن قضية المونسنيور لبكي هي من «اختصاص الكنيسة، وفي عهدة الدوائر الفاتيكانية»، وطالبت «الجميع باحترام هذا المقام الرفيع وسلطته، وعدم تناول القضية خارج إطارها الكنسي البحت، وأن تتعاطى وسائل الإعلام بمسؤولية» مع هذا الحدث. وتلاقي هذا البيان تصريحات أخرى مماثلة لمسؤولين سياسيين يحاولون تحجيم الخبر أو تفاديه، مثل وزير العدل شكيب قرطباوي الذي صرح لجريدة «الأخبار» (www.al-akhbar.com/node/192977) أنه لا يريد الدخول في موضوع «يتعلق برجل دين» بالرغم من الأحكام الدينية الخطيرة التي صدرت بحقه.
انطلاقاً من هذه المواقف التي تعتبرها «المفكرة القانونية» خطراً على الديمقراطية والعدالة في لبنان، ومع احترامها الكامل لقرينة البراءة، يهمها إبداء الملاحظات الآتية:
أولاً، تطرح علامات استفهام عدة حول تعاطي المرجعيات الدينية والسياسية _ لا سيما في وزارة العدل _ مع هذه القضية. فمجرد ارتباط المحكوم عليه (المتهم) بمؤسسة دينية، لكونه رجل دين، جعل التعاطي الإعلامي والقضائي معه خاضعاً لقواعد استثنائية متساهلة لا تطبق على سائر اللبنانيين متى اقترفوا أو اتهموا باقتراف جرم خطير كالتحرش الجنسي على أطفال. ويكفي هنا التذكير بقضية توقيف المتهم باغتصاب الأطفال في الجعيتاوي منذ أشهر قليلة، التي أثارت ضجة إعلامية واحتلت مقدمات نشرات الأخبار وتبارت على المفاخرة بها الأجهزة الأمنية والقضائية (انظر جريدة الأخبار www.al-akhbar.com/node/188278)، فيما نرى الأجهزة نفسها غائبة عن السمع في قضية لبكي تحت حجة أنه رجل دين، ضاربة عرض الحائط بمبدأ المساواة أمام القانون. ويهم المفكرة القانونية أن تذكر أمانة سر مطرانية بيروت ووزير العدل وكل المعنيين بأن الجرائم الجزائية _ لا سيما تلك المتعلقة بالاعتداء على الأطفال _ لا تختفي متى كان مرتكبوها رجال دين، بل على العكس، فإن مسؤوليتهم الجزائية والمعنوية تعتبر مضاعفة بحكم الثقة التي يتمتع بها هؤلاء في المجتمع الذي يسلمهم أطفاله.
ثانياً، إن المحاكمة الكنسية التي خضع لها لبكي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تحل مكان المحاكمة الجزائية التي يجب أن يخضع لها أي متهم بهذه الأفعال الخطيرة أمام القضاء اللبناني، لا سيما أن «العقوبة» التي صدرت بحقه (الصلاة في أجواء برمانا الخضراء) تعتبر، في حال ثبوت الأفعال المنسوبة إليه، مهينة لكل ضحاياه المحتملين لجهة عدم جديتها وعدم تناسبها مع الأفعال الخطيرة المنسوبة إليه من قبل المحكمة الكنسية نفسها. كذلك فإن الادعاءات _ التي يدلي بها بعض المدافعين عن لبكي_ أن المحاكمة الكنسية لم تكن عادلة هي سبب إضافي لملاحقة لبكي جزائياً حسب أصول المحاكمة العادلة التي يضمنها القانون الجزائي، فإما تثبت براءته وتكون المحكمة الفاتيكانية قد ارتكبت خطأً قضائياً بحقه، وإما تثبت إدانته ويُرسل إلى السجن (حيث الصلاة ممكنة أيضاً) إلى جانب مغتصبي الأطفال «العاديين» الذين لا يتمتعون بامتيازات رجال الدين في لبنان.
ثالثاً، تدعو المفكرة القانونية القضاء اللبناني، ولا سيما النيابة العامة، إلى التحقيق الجدي والمهني والفوري في قضية منصور لبكي وممارساته على الأراضي اللبنانية في السنوات الأخيرة وملاحقته في حال التأكد من الادعاءات ضده التي أكدها القضاء الكنسي في أحكامه الأخيرة فيما يخص ممارساته في فرنسا. فمن المقلق أن يبقى القضاء اللبناني مكتوف اليدين أمام ارتكابات من هذا النوع قد تكون مورست ضد أطفال لبنان من قبل مرجعيات بهذا الحجم، فيما هو مثابر على ملاحقة العمال والعاملات الأجانب واللاجئين وجميع الفئات المستضعفة التي لا تنعم بحماية مرجعية دينية أو سياسية إقطاعية.
رابعاً، أمام هذا الخبر بشأن أحد المسؤولين السابقين في مؤسسات لرعاية الأطفال، لا يسع المفكرة إلا أن تطالب بفتح ملف هذه المؤسسات مجدداً في لبنان التي يأوي إليها عدد ضخم من الأطفال (23000 حسب تقديرات 2007)، وذلك من جهتين اثنتين: الأولى، السعي الى اعتماد تدابير بديلة من شأنها إبقاء الأطفال في كنف عائلاتهم عملاً بمعاهدة حقوق الطفل، علماً بأن العدد الأكبر من الأطفال أودعوا في هذه المؤسسات ليس بسبب اليتم بل بسبب الفقر، والثانية، التشدد في الرقابة على عمل هذه المؤسسات، ليس لأنها سيئة بالضرورة، ولكن لأن الأشخاص المودعين فيها هم الأكثر عرضة للانتهاك والأكثر احتياجاً لحماية الدولة.
(الأخبار)