لا تزال حرب لبنان الثانية حاضرة في أذهان الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في معارك الحرب التي امتدت 33 يوماً، خصوصاً تلك المعركة الدموية التي اندلعت بين عناصر من «حزب الله» وأفراد وحدة 51 التابعة للواء «غولاني» في قرية بنت جبيل في الجنوب اللبناني، حين قتل ثمانية جنود إسرائيليين وجرح أكثر من عشرين آخرين بعدما حاولوا احتلال مقر لحزب الله وسط البلدة، فتحول القتال هناك إلى إحدى الوقائع الراسخة من تلك الحرب.

في الذكرى الخامسة لحرب تموز التي حلّت قبل أيام، كشف الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن أنَّ «الجراح (من تلك المعركة في بنت جبيل) لا تزال مفتوحة وتنزف»، مضيفاً أنّه «في كوابيسهم، يعود الجنود (الإسرائيليون) إلى تلك القرية اللعينة، إلى الصرخات والنار التي تصل من كل صوب، لكنهم هم ليسوا كما كانوا». في أعقاب تلك المعركة، أفاد الموقع الإسرائيلي بأنَّ كثيرين من الجنود الذين قاتلوا في بنت جبيل توجّهوا إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية وقدّموا طلباً للاعتراف بهم مصابي «صدمة الحرب»، إذ بيّن الموقع أنه من خلال التقارير التي تقدّم بها الجنود، يمكن تخيّل ما وقع في قرية «بنت جبيل»، وكيف أثّرت تلك الأحداث على الجنود وعلى ذكرياتهم، إضافة إلى الكوابيس التي رافقتهم في ما بعد، إذ اعتُرف بغالبية هؤلاء أنَّهم جرحى حرب، بينما يفيد اختصاصيون في المجال بأنَّ القائمة ستطول في السنوات المقبلة. ونقل الموقع عن مسؤول عسكري في الجيش الإسرائيلي قوله إنَّه «ليس هناك تاريخ انتهاء صلاحية لصدمة الحرب. ثمة جنود يشعرون بضائقة بعد القتال، بينما يتأثر آخرون بعد أشهر أو سنوات»، مبيناً أنَّ «الجنود ينكرون بداية، يخجلون من التوجّه، ولكن في نهاية المطاف ينفجرون».
أحد الجنود ممّن اعترفت أخيراً وزارة الدفاع الإسرائيلية بأنَّه مصاب بـ«ما بعد الصدمة»، شرح في إفادة قدَّمها التجارب المريرة التي خاضها في بنت جبيل قائلاً: «في تاريخ 27 من تموز 2007، وُجدنا أنا والوحدة العسكرية في قتال وجهاً لوجه في مقابل مخرّبي حزب الله. خلال القتال الذي استمر ساعات طويلة، المخرّبون حاصرونا، وألقوا علينا القنابل، وأطلقوا علينا النار بكثافة».
وأضاف: «في الموقع، كان هناك 25 جندياً جريحاً من دون القدرة على التحرك. ركضت من البيت الى الميدان من أجل الرد والمساعدة، حيث كان في الخلفية صراخ يائس للمساعدة ونحن تحت إطلاق رصاص حي. أعضاء داخلية مكشوفة لقسم من أصدقائي القتلى، ودم ينزف من كل صوب»، مضيفاً: «حافظنا على الجثث، كنّا محطّمين، كسرنا وبكينا أحدنا على كتف الآخر. شعرت بأنَّه لا حول لي ولا يقين في ما يتعلق بمصيري ومصير أصدقائي المقاتلين».
وادّعى في ما بعد أنَّ تلك المشاهد تقلقه حتى اليوم، مبيناً أنه «في البداية حاولت التأقلم وحيداً. خجلت من الحديث، اعتقدت أني قويٌ بما يكفي، فقد كنت مقاتلاً. آمنت بأنَّ الوقت سيشفي الجراح النفسية»، لكنه أضاف «للأسف الشديد كنت على خطأ. فأنا أعيش كوابيس وذكريات ماض لا تتوقف من ساحة القتال. قلق ومرارة وقلة تركيز. تحولت إلى عصبي، منطوٍ ومنغلق دون فرح». ونقل الموقع الإلكتروني الإسرائيلي إفادة عنصر آخر قال فيها: «العجز وقلة اليقين اللذين نتجا أثّرا عميقاً في أنفسنا، بقينا جرحى نفسيين، كنّا في ضائقة مخيفة».
ومن أجل الاعتراف بهم مصدومي حرب، فُحص الجنود بواسطة اختصاصيين نفسيين. وشرح أحد الاختصاصيين النفسيين حالة أحد الجنود بقوله إنه إنسان صاحب مميزات اكتئاب ويتأقلم مع نوبات عصبية. وكان الجندي قد قال: «أنا أسمع صرخات صديقي وأصرخ كي يخرجوه من تحت حطام المطبخ»، بينما أفاد صديق له، جندي آخر، من خلال إفادة قدّمها، بأنه هو أيضاً يعاني من وضعية مشابهة، من حيث إنه يعاني من «صعوبة في التركيز، وتعب وكوابيس وقلة صبر». كذلك أفاد الموقع بأنَّ كثيرين من مقاتلي المعركة في «بنت جبيل» يعانون كثيراً من تبعيات ذات معنى في كثير من المجالات الحياتية، منها إيجاد أماكن عمل، دراسة، علاقات وحياة يومية. وأفاد التقرير بأنه في جزء من المستندات يمكن القول إنَّ الجيش الإسرائيلي لم يقدّم مساعدة نفسية بعد الحرب، الأمر الذي كان من شأنه التقليل من خطورة الظاهرة. وعقّب المسؤول العسكري بقوله إن أحد الاستخلاصات المهمة التي أُخذت من حرب لبنان الثانية هو أن يدير الضباط محادثات، بتوجيه من ضابط الصحة النفسية، مع الجنود قبل العمليات العسكرية القتالية وبعدها، وفي حالات معقدة يتوجهون إلى اختصاصيين. وتابع قائلاً: «هذه الطريقة أُثبتت من خلال عملية «الرصاص المصبوب» (في غزة). فقد رأينا أن هذه المحادثات تقلل بوضوح من التوجه إلى وحدة ردود الفعل القتالية». في السنوات الأخيرة، اعتُرف بمئات الجنود في حرب لبنان الثانية مصابين بـ«صدمة حرب». وحتى الآن لا إحصاء رسمياً. لكن في حديث مع الموقع الإسرائيلي، قال اختصاصيون إن في القتال الذي دار في بنت جبيل عدداً كبيراً من المتوجهين. وقال أحدهم: «هؤلاء جنود وضباط من بينهم من حازوا شهادات تقدير. ليس هناك تطعيم ضد هذه الظاهرة. عند تلقّي توجّه ما، فإنه يبحث بجديّة كاملة، من خلال منح المساعدة منذ اللحظة الأولى».
ومن الجانب القضائي، أفاد المحامي الإسرائيلي إيلي سيفان، المتخصص في مثل هذه القضايا ويمثّل عدداً من الجنود، للموقع الإسرائيلي، بأنه تلقّى الكثير من التوجهات من جنود شاركوا في تلك المعركة، مضيفاً أنه «قدّمنا عدداً من الدعاوى، والجنود حصلوا على الاعتراف. من دون شكّ فإنّ هذه المعركة (أي بنت جبيل) «ولّدت» عدداً ليس قليلاً من الدعاوى بسبب ظروفها الخاصة. إنَّ حمل الإثبات على الجندي، مقدّم الدعوى، عملية ليست سهلة أيضاً».
وتابع سيفان أن حقيقة عدم فرض فترة زمنية محددة على تقديم هذه الدعاوى، تؤدي إلى أنه في جميع الأوقات يظهر جنود جدد غير قادرين على التأقلم وحدهم مع أوضاعهم، مشيراً إلى أن «من الأفضل أن يطلبوا المساعدة المطلوبة، وألا يسبّبوا لأنفسهم تدهوراً إضافياً».