البقاع | بينما تنتظر منطقة الهرمل إعلانها عاصمة للسياحة البيئية في لبنان، لكونها أصبحت رقماً صعباً في المعادلة السياحية، برزت أخيراً مشكلة جمع الإطارات المطاطية التالفة من باقي المناطق اللبنانية، وإحراقها في الجرود الخضراء، للإفادة من الأشرطة التي بداخلها وبيعها لتجار الحديد.


هي آخر البدع المضرّة ببيئة الهرمل وسياحتها، بعد أعمال القطع الجائر للأشجار المعمّرة من شوح وأرز ولزاب، و«التفريخ» المستمر للكسارات والمرامل.
شاحنات متوسطة الحجم تصول وتجول يومياً على طول الطريق الممتدة لأكثر من 150 كيلومتراً بين بيروت والهرمل، متخمة بحمولات من الدواليب، من دون سؤالها عن وجهتها. «فالقانون لا يمنع نقل الدواليب التالفة»، يقول رئيس جمعية بيئية في جرد الهرمل، مشيراً إلى أن حمولة هذه الشاحنات تُفرغ في منطقة «الميدان» في الهرمل، أي النقطة المخصصة لجمع الإطارات، لتُنقل لاحقاً إلى مكان الإحراق في «الحميري»، فتتحول المنطقة إلى ما يشبه بئر نفط ملتهب، على حد تعبيره.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ منطقة الحميري عبارة عن «مصيف جبلي» يرتفع نحو 2000 متر عن سطح البحر، ما يسمح للزائر برؤية الغيوم وهي تمر من بين قدميه، مع انتشار غابات الشوح واللزاب. «لكن هذه الصورة تتبدد تلقائياً مع اشتعال الإطارات المطاطية بكمياتها الكبيرة»، بحسب رئيس الجمعية البيئية. ويؤكد الرجل أنّ «عدد المستفيدين من إحراق الدواليب لا يتجاوز 15 شخصاً، وهؤلاء يجهلون مدى الضرر الذي تسببه هذه العملية».
ويلفت إلى أنّ «إحدى الجمعيات البيئية العالمية (جيف) اطلعت ميدانياً على مكان حرق الإطارات، وتبين لها علمياً مدى التلوث الذي لا يمكن أن يذهب أثره بملايين السنين، وأن التلوث يطاول الهواء بداية، فتنتشر الجزيئات لتطال المكان بإنسانه وشجره وطيوره، وتترسب لاحقاً على التربة والثياب والأشياء التي يحتك بها الإنسان مباشرة، قبل أن تنقل مياه الأمطار تلك الجزيئات إلى المياه الجوفية».
لا يرى رئيس الجمعية البيئية نفسه مغالياً عندما يقول «إن دواليب لبنان بأكمله تحرق في جرد الهرمل»، فهو يشاهد يومياً تلك الكميات الكبيرة التي تحرق، منتقداً تقصير الجمعيات والبلديات في إقامة «ندوات توعوية عن مخاطر إحراق الإطارات». ومع ذلك، لا يخفي الرجل الحديث عن عدد من الشكاوى تقدموا بها، بالتعاون مع ناشطين بيئيين، إلى قائمقام الهرمل، ووزارتي البيئة والزراعة، والقوى الأمنية، لكن «لا أحد حرك ساكناً حتى اليوم، فالإطارات لا تزال تحرق في جرود الهرمل، والذريعة دائماً جاهزة، سواء لدى القوى الأمنية أو مركز الأحراج في الهرمل، وهي عدم وجود نص قانوني يمنع نقل الإطارات».
الشكاوى على اختلافها لا توقف إحراق الإطارات التالفة في جرد الهرمل. اللافت ما يرويه علي ج، أحد أبناء قضاء الهرمل لـ«الأخبار» عن جمع أو شراء الإطارات بأسعار متفاوتة من باقي المناطق التي يقصدها، ومن ثم العمل على إحراقها بغية استخراج الأشرطة الحديدية وبيعها لتجار الحديد. «هو هدف مادي بامتياز»، يقول، مشيراً إلى أنّه البديل من عودته إلى عائلته بحمولة فارغة وبدخل محدود، «وإن كان الربح لا يتعدى في بعض الأحيان 30 دولاراً».
ويتأثر إحراق الدواليب بتهريب الحديد من سوريا من جهة، وبسعر الحديد العالمي من جهة ثانية، فإذا انخفض السعر تتراجع معه وتيرة الإحراق، فيما العكس صحيح عند ارتفاع السعر.
هكذا، تحرق كميات كبيرة من الإطارات وتنتج أطناناً من الأشرطة الحديدية، «ويباع اليوم الطن الواحد منها بسعر يراوح بين 400 و 460 دولاراً» بحسب علي.
وبناءً عليه، إذا كانت بلدية الهرمل لم تتمكن من اتخاذ أي من السبل لمعالجة المشكلة التي يتعرض لها القضاء بأكمله، سوى رفع شكوى إلى القائمقام، وذلك بالنظر إلى إحراق الإطارات المطاطية خارج النطاق الإداري والجغرافي للبلدية، كما يؤكد رئيس البلدية صبحي صقر لـ«الأخبار»، فإن قائمقام الهرمل أكرم عوض سلمان أحال من جهته الشكوى على قوى الأمن الداخلي «لإجراء المقتضى القانوني وملاحقة من يقدمون على هذه الأعمال المضرة ومعاقبتهم».
بدوره، يلفت مسؤول أمني في البقاع إلى أنه اطلع، أخيراً، على المشكلة، وأوعز، حرصاً منه على أهالي المنطقة وعلى سلامتهم من التلوث الكبير الذي يسببه إحراق الإطارات ببيئة البقاع بأكمله، إلى كل القطعات في بعلبك ـــــ الهرمل «بالتعامل مع المشكلة بجدية كبيرة، والعمل على إقفال الطريق المؤدية إلى مكان تجميع الإطارات والإحراق، فضلاً عن مراقبة السيارات التي تنقل الدواليب، وإيقاف أصحابها، ومتابعة أعمال التحري والتقصي عن الذين يقدمون على إحراقها». وطلب المسؤول من أبناء الهرمل الإبلاغ عن أية عملية إحراق للإطارات بغية التحرك سريعاً لتوقيف الفاعلين.
وعلمت «الأخبار» أنّه في المنطقة الفاصلة بين «الطيبة البقاعية» وبريتال عند السلسلة الشرقية، يعمد بعض تجار النحاس والحديد والفولاذ إلى إحراق دواليب شاحنات وجرارات زراعية لكونها تحوي كمية كبيرة من الحديد.
يذكر أن أولئك الذين يحرقون الإطارات لاستخراج أشرطة حديدية، لا يقدمون على ذلك كـ«لقمة بعد شبع»؛ فحين تكون أبسط مقومات العيش مفقودة عندهم، حيث لا طريق ولا بنى تحتية، ولا حتى مستوصف صحي بسيط، ينسفون بالتأكيد التنمية المستدامة وحتى السياحة البيئية.




«فرم» المطاط

أكد رئيس إحدى الجمعيات البيئية في جرود الهرمل أنّ أحد أهم الحلول لمعالجة مشكلة إحراق الإطارات يتمثل في شراء آلة لـ«فرم» المطاط بعد فصله عن الأشرطة الحديدية والقطن، من ثم تذويبه واستخدامه في تغطية أرصفة المشاة؛ إذ تبين علمياً أنّ المادة المستخرجة تعود بالفائدة الصحية على مرضى الديسك والروماتيزم، وهي تقنية معتمدة في كل من دبي ونيويورك. أما سعر الآلة، بحسب الناشط البيئي، فلا يتجاوز نصف مليون دولار، وهي كلفة غير باهظة مقارنة مع الضرر البيئي الذي يسببه إحراق الدواليب.