عود على بدء. سيول تدهم الهرمل وقرى مجاورة وتخلّف وراءها أضراراً. حكاية تتكرّر فصولها مرتين كل عام على الأقل، مع بداية فصلي الخريف والربيع، ويتكرّر بموازاتها إهمال المعنيين لخطة إنقاذ، تتمثل بإنشاء سدود تحويلية لمياه السيل. غيوم عصر أول من أمس الملبّدة في سماء الهرمل، كانت تنبئ بأن أمطاراً غزيرة ستهطل، ليدرك عندها أصحاب المقاهي والمتنزهات والمطاعم ومربو الأسماك على ضفاف نهر العاصي أن الموعد مع الخسائر قد أطلّ، فيحاولون تقصّي المعلومات من قرى الفاكهة وعرسال عن إمكان تشكّل السيل.


بدأ هطول الأمطار والعواصف الرعدية عند الساعة السابعة من مساء أول من أمس، ليجتاح السيل بقوة كبيرة نبع نهر العاصي ومجراه بعد ساعتين فقط، إذ ارتفع منسوب النهر نحو 25 سنتمتراً. أتربة وصخور تراكمت عند نبع عين الزرقاء، ونبع الدفّاش، لتتحول مياه العاصي الزرقاء إلى مياه موحلة بنّية اللون وتدخل المقاهي والمتنزهات وأحواض تربية الأسماك الملتصقة بضفافه. مياه السيل شقّت طريقها إلى نهر العاصي من الجهتين الغربية والشرقية، فانطلقت بداية من وادي الدبّور في الجهة الغربية، ليتبعها من الشرق من رأس بعلبك والفاكهة وعرسال، حيث شق السيل طرقاً خاصة به، جارفاً صخوراً وأتربة، مقفلاً طريق نبع رأس العاصي، وكذلك في مجرى نبع الزرقاء. المياه الموحلة قضت على جزء من الثروة السمكية على ضفاف العاصي (عشرات الأطنان)، وتركت وراءها خسائر عند أصحاب المطاعم وأحواض تربية الأسماك القريبة جداً من مجرى النهر!
حسن مرضى، أحد مربّي الأسماك، أشار إلى أن السيل سبّب خسائر تتجاوز 40% من الأسماك التي تعدّ مصدر رزقه الوحيد، موضحاً أن معاناتهم مع السيول باتت سنوية، في ظل غياب اهتمام الدولة. وأكد أن السيول أصبحت تشكل هاجساً عند أصحاب المصالح على نهر العاصي، وخصوصاً أن الدولة غائبة عن دفع التعويضات عن الأضرار التي لحقت بنا خلال حرب تموز، بينما دفعت لنا «من الجمل إذنه عن سيول عام 2007، إذ بلغت خسائري بحسب تقديرات الجيش اللبناني 68 مليون ليرة، لم أقبض من الهيئة العليا للإغاثة سوى 11 مليون ليرة فقط».
عبد المنعم عابدين، صاحب مطعم، أشار إلى «ضرورة إنهاء هذه المعاناة السنوية، وذلك من خلال إقامة مشاريع سدود تحويلية لمياه السيول، يمكن من خلالها إبعادها عن مجرى نهر العاصي، وتحويلها إلى منطقة السهل الممتد بين الهرمل وبلدة القاع، حيث يمكن إقامة برك طبيعية لتجميع المياه، فيكون لها آثار إيجابية على المزارعين والبيئة من جهة، وعلينا كأصحاب مصالح على مجرى العاصي من جهة ثانية».
رئيس مصلحة الزراعة في بعلبك الهرمل، د. علي رعد، تفقد المواقع المتضررة إلى جانب مستشار وزير الزراعة نظام حمادة، وقائمقام الهرمل أكرم سلمان ورئيس بلدية الهرمل صبحي صقر ورئيس اتحاد بلديات الهرمل مصطفى طه، وأعلنوا عن تشكيل لجنة من الجيش اللبناني للكشف على الأضرار. ولفت صقر إلى أنه «لا يمكن حالياً معرفة نسبة الأضرار بانتظار صفاء مياه النهر». وعن إمكان إقدام بلديات قضاء الهرمل، واتحاد بلدياتها بخطوة في اتجاه إقامة سدود تحويلية، وإن ترابية، أكد صقر لـ«الأخبار» عدم إمكان إنجاز مشاريع ضخمة كهذه، لأنها «بحاجة إلى دراسة وتمويل وكلفة عالية»، كاشفاً عن طلب قدّم إلى وزارة الطاقة والموارد المائية والكهربائية «نطالب فيه بإيجاد حلول مناسبة وسريعة لمشكلة السيول، ومن ضمنها سدود تحويلية، تنعكس إيجاباً على المنطقة سواء من الناحية البيئية والاقتصادية وحتى المناخية، حيث تلطف الأجواء».
من جهة ثانية، رأى صقر أن التعدّيات الحاصلة على مجرى العاصي كثيرة، وتعدّ أحد الأسباب التي تساعد السيول على التسبّب بالأضرار للمتنزهات ومزارع تربية الأسماك وأحواضها، مناشداً المعنيين والوزارات «العمل على رفع التعديات الحاصلة من قبل أصحاب المطاعم والمتنزهات، ومربي الأسماك على مجرى نهر العاصي، وتسهيل إعطاء تراخيص وفق القوانين والأنظمة».