الهرمل | «الله يرد غيبتك يا إبني»، «الله يبرّد قلبي بشوفتك يا محمد». عبارتان تكاد لا تنطق بغيرهما ثنية فارس والدة الشاب محمد بليبل، الذي لا يزال مصيره مجهولاً منذ ثمانية عشر يوماً، بعد دخوله الأراضي السورية. تطبق يد الأم المرتجفة بإحكام على صورة شمسية صغيرة لولدها محمد. تقبّلها حيناً، وتضمّها إلى صدرها حيناً آخر.


لم ينل صخب مدينة الهرمل، من الهدوء الذي يلفّ منزل العائلة في حي المعالي. هدوء لا تكاد تخرقه رنة هاتف خلوي، حتى تشخص الأنظار إلى حامله، لعلّ في ذلك خبراً يحمل الفرح إلى قلب الوالدة ومحبي محمد.
فالشاب الهرملي لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، يعمل منذ خمس سنوات تاجراً لبيع الخردوات (الأدوات الصحية)، بعد أن يشتريها من أسواق حمص في سوريا، ليجول بها على تجار مدينة الهرمل ورأس بعلبك ورسم الحدث وغيرها من القرى المجاورة.
تروي أم محمد كيف ترك ولدها المنزل صبيحة الأحد في 13 تشرين الثاني الماضي، متوجهاً كما العادة، بسيارته من نوع تويوتا «ستايشن»، إلى أسواق حمص عبر معبر القاع ـــــ جوسيه الشرعي (الأمانة اللبنانية ـــــ السورية)، لكنّ تأخره عن موعد عودته المحدد إلى المنزل عصر كل يوم، دفع أشقاءه إلى الاتصال به مراراً، لكن دون جدوى. تجهش الوالدة بالبكاء، فيأخذ بسام بليبل (عم محمد) الكلام، مشيراً إلى أن حالة القلق والخوف قادت العائلة إلى التواصل مع الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية عند معبر الأمانة، التي أكدت دخوله صباحاً إلى سوريا، لكن دون خروج، وهو الحديث نفسه الذي أكده أحد التجار في حمص، حين قال إنّ «محمد طلب مني صباحاً توفير طلبية له على أن يمر لاحقاً ويأخذها، لكن ذلك ما لم يحصل».
وطوال هذه الفترة لم تهدأ الاتصالات لمعرفة مصير الشاب، وقد توزعت في كل الاتجاهات. وبحسب بليبل فإن التواصل مع عدد من ضباط الجيش السوري أثمر تأكيداً «أن محمد لدى المخابرات الجوية السورية»، وأن عليهم الانتظار قرابة 15يوماً ليعلَن توقيفه، مرجحاً أن يكون الهدف من هذا الإجراء «عدم مطالبة أحد بتحريره». الاتصالات طاولت أيضاً «أطرافاً معارضة» فكان الرد منها «لو كان معنا، لكنا قد قتلناه ورميناه لكم في الشارع»، يقول أحد أقارب بليبل.
والجدير ذكره أنه عثر على سيارة بليبل في منطقة «تل عفار» في حمص، مركونة إلى جانب الطريق وبداخلها البضاعة (أدوات صحية)، وهو الأمر الذي عدّه البعض دليلاً على أن بليبل ليس مع الجيش السوري، استناداً إلى فرضية «أن الجيش لا يترك سيارته في الطريق، بل يضعها في مركز عسكري».
وبناءً عليه وبعد مرور قرابة 20 يوماً على اختفاء محمد بليبل، لا تجد الحاجة ثنية سبيلاً للصبر إلا بالمناجاة، فتردد «أملي بـ الله كبير»، «ما إلنا إلا رب العالمين»، فيما توجه العمّ إلى الرؤساء الثلاثة، مناشداً إياهم التواصل رسمياً مع القيادة السورية لكشف ملابسات حادثة اختفاء ابنهم، والعمل على إعادته إليهم. ويشدد على إيلاء القضية السرعة الكافية «ليعود الشاب إلى حضن عائلته ووالدته وطفله الحديث الولادة» كما يقول.
ليس بعيداً عن الهرمل، وبالتحديد في بلدة القصر اللبنانية، وحويك السورية، لا تزال اللافتات منتشرة في البلدتين، للتعزية بفقيد عائلة زعيتر محمد (51 عاماً)، الذي قضى على يد مجموعة مسلحة أمام منزله في حي الإنشاءات في حمص منذ قرابة أسبوع. يعمل الرجل منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وكيلاً لشركة «بريدجستون» للإطارات المطاطية، إضافة إلى وكالات حصرية أخرى. وقد تعرض منذ شهرين تقريباً، وتحديداً بعد زواج ابنه بابنة أحد الضباط السوريين، للتهديد بقتل ابنه، بحسب ما يؤكد لـ «الأخبار» شقيقه أكرم زعيتر.
لم يهمل محمد التهديدات بل تعامل معها بجدية كبيرة، وعمل طوال تلك الفترة على نقل أعماله من حمص إلى الشام، إلا أنه في زيارته الأخيرة في 22 تشرين الثاني الماضي، قصد محله في حمص وأنهى كل حساباته متوجهاً إلى منزله، حيث كانت تلاحقه سيارتان ما لبثتا أن اعترضتا طريقه أمام مدخل المنزل، حيث ترجل منهما مسلحون وعاجلوه برشقات نارية أصابت إحداها رأسه فأردته على الفور، وليقدموا من بعدها على أخذ جثته وسيارته.
وهنا يلفت زعيتر إلى أنّ إحدى كاميرات معهد جامعي مقابل منزل شقيقه «أبو رامي» التقطت الحادثة، موضحاً أنه جرى التعرف إلى قتلة شقيقه بعدما عرض أحد المواقع الإلكترونية خبراً عاجلاً مفاده «أن الجيش السوري الحر، كتيبة خالد بن الوليد، تمكنت من قتل أحد أزلام النظام السوري وشبيحته و(السيد) حسن نصر الله، وذلك أمام منزله في حي الإنشاءات في حمص».
بعد حادثتي زعيتر وبليبل، ارتسمت بصورة واضحة علامات القلق والتخوف لدى أهالي القرى الحدودية اللبنانية منها، والسورية التي يقطنها لبنانيون، بجوار مدينة الهرمل والقصر، وذلك بسبب ارتفاع وتيرة الأحداث والأعمال التخريبية التي تقوم بها جماعات مسلحة بين الفينة والأخرى. أما ما زاد الأمور سوءاً، فهو ما تردد بين أهالي بلدة القصر، عن توافر معلومات غير مؤكدة تشير إلى مقتل شخص من آل يونس مع زوجته ونجله، على يد مجموعة مسلحة في سوريا.




نزوح محدود

منذ بدء الأحداث في سوريا لم تتأثر القرى السورية التي يقطنها لبنانيون لأية مضايقات تذكر، فاستمرت حياتهم بصورة طبيعية بحسب تأكيد أحد اللبنانيين المقيمين هناك، لكن مع انتقال الأحداث إلى محافظة حمص ـ القصير بدأ الأهالي يشعرون بضغوط وتهديدات مباشرة وغير مباشرة، لتزداد وتيرة الخطر بعد مقتل محمد زعيتر وفقد محمد بليبل. ويشير الأهالي إلى أن تفاقم التهديدات دفع بعض العائلات اللبنانية في قرى غوغران والديابية والعقربية، إلى ترك منازلهم والانتقال إلى الهرمل وقرى مجاورة في الطرف اللبناني، وإن كان النزوح محدوداً. ويذكر أن عدد القرى السورية التي يقطنها لبنانيون تتجاوز 17 قرية، منها حويك وزيتا والفاضلية ودبين والصفصافية والجنطلية وغيرها.