كتاب «باحثات» الجديد زاخر بالعناوين المبتكرة، والدراسات التي لا تخلو من التشويق، والنصوص التي تميّزت بالجرأة النقديّة جامعةً بين البحث والشهادة والأدب. مرجع أساسي في تفكيك مفهوم الذكورة المهيمنة... وصولاً إلى الفنّ والسينما والتلفزيون


نوال العلي
أخذ تجمّع «باحثات» على عاتقه مهمةً صعبةً عندما قرر إصدار كتاب متخصّص عن «الرجولة والأبوّة اليوم» (المركز الثقافي العربي)، يحاول تفكيك مفهوم الذكورة المهيمنة بمشاركة أكثر من عشرين باحثاً (ة) ومبدعاً (ة). يتوزّع كتاب «باحثات» على ثلاثة محاور قلّما تطرقت إليها البحوث النّسوية ودراسات المرأة العربية: «تفكيك مفهوم الذكورة المهيمنة» ــــ «تمثّلات الذكورة في المكتوب والمصوّر» ــــ «التقاطع والتشابك بين الذكورة والأنوثة في المتخيّل العام». وهذا التقسيم، يحقّق سلاسةً في قراءة الكتاب، بينما تلعب العناوين والدراسات المبتكرة دورَها في التشويق، ويمثّل أسلوب الكتابة الأدبي أحياناً ــــ وتعزيزه بالموازاة بين الشخصي والبحثي ــــ حمايةً للأفكار من الانسحاق تحت ثقل المادة كمّاً ونوعاً.
يضيق المجال عن تناول كلّ الشهادات والدراسات التي لا يقل بعضها أهمية عن البعض الآخر. فقد مثّلت مواد «باحثات» مساهمة ــــ بحدود إمكاناتها كـ«كتاب» ــــ في تغيير طريقة تناول قضايا على هذه الدرجة من الحساسية والاختلاف، وفي إحداث تأثير على طريقة التلقي والفهم أيضاً.
الباحثة فرانسواز كولان تثير تساؤلاً يبدو أقلّ ثورية في هذا العصر، على أنّ ذلك لا يقلّل من أهميته. إذ تتساءل «هل من الضروري أن يكون المؤنث سمةَ المرأة؟». وتعني كولان بالمؤنث طريقة تفكير تحمل خصوصيّتها وصفاتها، وتُلخّصها بالتلقّي واللابتّية (Indécidabilité) والانفتاح المستمرّ. وهي الصفات التي حقّقت منها الذكورة مكتسباتها «ما جعل جنسهم جنساً شاملاً يتابع استفادته من مكتسبات المذكّر متزيّناً بحسنات المؤنث».
أما الهستيريا كخطاب ــــ الفكرة التي وضعها لاكان أصلاً ــــ فخاض فيها المحلل النفسي شوقي عازوري من خلال تحليلٍ دقيقٍ ومختصرٍ وملم، فـ«الهستيريا مؤلِّفة خطاب يكتب تاريخها، وهنا لا فرق إن كان هذا الخطاب منطوقاً به من جانب ذكر أو أنثى». لكنّ الاختلاف المهم الذي يشير إليه عازوري هو الفرق في خطاب الهستيريا حسب الجنس، ويكمن في التعبير بالجسد عنها. فالمرأة لا تُحدث الأثر نفسه الذي يحدثه الرجل لدى التعبير المرئي عن الخطاب.
دراسة الباحثة رفيف صيداوي الميدانية تستحق الوقوف عند نتائجها، لما حملت من تناقضات في مواقف عينة البحث وتباين آرائها، وخصوصاً أنّ موضوعها هو «الشرف وتحوّلات الذكورة». تناولت صيداوي ثلاثة أشكال من العنف الجنسي ضد المراهقات في لبنان: التحرش، الزواج المبكر، وقضايا العنف بدافع الشرف. كما ناقشت مواقف المراهقين في العينة من عذرية الفتاة. فإذا بها تخلص إلى أنّ 6 في المئة فقط يتفهّمون فقدان العذرية مقابل 48 في المئة يلجأون إلى العنف كردّ فعل وموقف على فقدانها. بينما لجأ الباقون إلى الصمت أو عدّوا الأمر خطأً ينبغي تصحيحه. من جهة أخرى، بحثت صيداوي في مواقف النساء (الأمهات) اللواتي كنّ ليبراليات، محافظات، أو راديكاليات في تحرّرهن، لتخلص إلى قناعة غالبيتهن بأدوارهن كحارسات للسمعة والشرف، المتمثل طبعاً في صون غشاء البكارة، وأكد معظمهن على ترك مصير الفتاة إلى الأب إذا فقدت عذريّتها.
تفكيك الذكورة ورصد تطورها وثوابتها من خلال الفن والأدب، هو أيضاً من المشاغل التي تتطرّق لها «باحثات». وهذا التقارب بين النقد الأدبي والفني والبحث العلمي في الموضوع، بادرة تُحسب للكتاب. إذ يحاول الخروج من صرامة الخطاب النسوي في الكتابة، وثقل وطأته على القارئ. هكذا تناقش أنيسة الأمين مسلسل «نساء في العاصفة» الذي يستعمل المرأة كدليل ومرشد إلى سبل تفكيك الهيمنة الذكورية. وترصد جين سعيد مقدسي تصوّرها للذكورة والقائد في بعض الأفلام المصرية كـ«الزعيم» و«أيام السادات». كما تكتب هدى الصدة عن «الرجل الجديد» من خلال قراءة نقدية في أعمال بعض رواد النهضة كالرافعي وقاسم أمين وطه حسين وغيرهم. الفن التشكيلي موجودٌ أيضاً في الكتاب، إذ خاضت هند الصوفي في إشكالية التسلّط الذكوري والجسد العاري في الفن الغربي، وبحثت في السمات الذكورية الثابتة في ما قدّمه ذلك الفن.
أما الباحثة مارلين نصر فاختارت دمج العام بالخاص في مقالتها «ذكورتهنّ: راهبات مدرستي «فرنسيسكان رسولات مريم»»، حيث تناولت مرحلة دراستها، لتلقي الضوء على انعكاسات القواعد المفروضة في المدرسة التي تقضي على معظم معالم أنوثة الراهبات والطالبات أحياناً. أما دراسة حُسن عبود «ذكورة الأركيلة وتمييع الحدود بين العام والخاص»، فاتخذت منحىً إثنوغرافياً، إذ خاضت في العلاقة بين ممارسة عادة يومية وتحوّلها في التقاليد. ولم تغب النصوص الإبداعية والمقالات القصيرة أيضاً عن الكتاب، فخُصِّصت «ومضة» نهاية كل فصل للفنان رفيق علي أحمد الذي كتب عن «فحولة مخصية»، بينما تحدّث حسن الجوني عن «إشكالية العري وأسرار الذات».
إنّ ما تنجزه «باحثات» في هذا الكتاب، وخصوصاً من دفع الرجال أنفسهم إلى نقد الذكورة وتفكيكها، كان جزءاً من الرغبة والعمل على تغيير واقع غياب النساء عن الخطاب التاريخي والاجتماعي والسياسي، وهو الموضوع الذي ظلّ شغلاً أساسيّاً ضمن عمل النسوية في القرن العشرين. وإن كان محو غياب الأنوثة من هذا الخطاب قد تحقّق بحدود، لا بل أمكن الذهاب إلى ما هو أبعد عبر البحث في تفكيك الذكورة. إلا أنها قضية تقود إلى البحث في دور الحركة النسوية العربية حقاً في ما وصلت إليه المرأة الآن وهنا، ومدى الفضل الذي يمكن أن يعزى لها كحركة اجتماعية تهدف إلى التغيير.
وربما نحتاج من «باحثات»، التي برهنت في أعدادها السابقة على أنّها منبر لقضايا إشكالية وخلافية جديدة أو متجددة، أن تقّدم لنا لاحقاً قراءة تاريخية نقدية في منجز الحركة النسوية العربية، وما آلت إليه أو ما تفعله على أرض الواقع الآن... وخصوصاً أنّها حركة لم تعد تستقطب كثيرات أو كثيرين من الجيل الشاب، كما كان يحدث في الزمن السعيد.