غزة ــ رائد لافي


تُعدّ المكتشفات الأثرية سجلًّا حقيقياً للتاريخ، ومع إدراك الدولة العبرية لأهمية الآثار الفلسطينية، عكفت منذ احتلالها لفلسطين على سرقة الآثار، في محاولة لتزييف التاريخ، وإيجاد ما يبرر وجودها «الهشّ» في قلب الوطن العربي.
ومن هنا جاءت محاولات الفلسطينيين للحفاظ على الآثار والتراث الفلسطينيين من السرقة، ومع ضعف الإمكانات الرسمية، برزت محاولات فردية لحفظ الآثار مصنّفين عملهم بوصفه أحدأشكال «النضال الوطني».. ومن هؤلاء وليد العقاد الذي يطلق عليه الفلسطينيون لقب «عاشق الآثار».
حوّل العقاد منزله الريفي في مدينة خان يونس إلى متحف للتراث والآثار.. والمقتنيات التي جمعها العقّاد توحي للمتجوّل بأنه يتنقّل بين عصور مختلفة، فعلى امتداد الممرّ المؤدي إلى المتحف من الداخل تجد الأعمدة الأثرية التي يعود تاريخها للعصور: البيزنطي والروماني والإسلامي..
ولم يدرس العقاد علم الآثار أو حتى التاريخ في الجامعات، غير أن مطالعاته الدائمة مكّنته من الاستفاضة في شرح تاريخ كل قطعة أثرية في متحفه الشخصي. وحرص العقاد على إعادة زوّار المتحف إلى حقبة ما قبل إقامة الدولة العبرية، فأقام مثلاً أمام المتحف بيتاً مصنوعاً من شعر الماشية، الذي كان يسكنه الإنسان الفلسطيني قديماً، وفي داخله وضع كل الأدوات التي كانت شائعة الاستخدام آنذاك مثل الفرش المصنوعة من شعر الأغنام، والحبال مصنوعة من سعف النخيل، وأدوات القهوة العربية مثل المحماسة ودلّة القهوة النحاسية..
وتنقسم محتويات المتحف إلى قسم للآثار وآخر للتراث، وضمن الجزء الخاص بالآثار هناك ركن خاص بالآثار الرومانية التي تعود إلى ما قبل الميلاد. وأشار العقاد إلى جزء من حجر رخامي يبلغ طوله 90 سم يعود إلى قبر روماني مع حجر شاهد للقبر عليه نقوش وزخارف هندسية مع بقايا الجثة التي كانت موجودة في القبر، إضافة إلى قسم خاص بالنقود والعملات القديمة.. وفي ركن آخر مجموعة من الجرار والأباريق والسراج من العهد الروماني، وآثار تعود للعهد البيزنطي بينها تاج، وأعمدة رخامية كانت تستخدم في بناء القصور، وعينة من النقود البيزنطية. إضافة إلى نماذج لأنواع من الأسلحة الآلية القديمة، التي استخدمها الفلسطينيون في مراحل النضال ضد المحتلّين، وكمية من الذخائر التي يعود تاريخ تصنيعها كما هو مبيّن في نقوشها إلى عام 1901.
وفي قسم التراث، هناك الأدوات الموسيقية مثل اليرغول والربابة والشبابة.. وعلى مقربة منها الأدوات الزراعية التقليدية ومنها المنجل والمحراث والهوجل والمدراة. وقال العقّاد إن عشقه للآثار «جعله دائم البحث والتنقيب عن الآثار في كل مكان، فضلاً عن سعيه إلى شراء قطع أثرية كانت بحوزة أشخاص وضمّها الى المتحف». وعاد العقاد بذاكرته خمسةً وعشرين عاماً إلى الوراء، وقال إنه استشعر أهمية الآثار والتراث بعد تجربة شخصية عايشها بنفسه عندما اقتحمت قوة اسرائيلية منزل عائلته لاعتقال أحد أشقائه، وحين وقعت عينا الضابط الاسرائيلي على حجر يعود للعهد البيزنطي كان والده قد أحضره من وسط فلسطين، أمر جنوده بنقل الحجر الأثري معهم وكأنه أمر اعتقال إضافي إلى جانب اعتقال شقيقه، ومنذ ذلك الحين يشير إلى أنه أيقن قيمة هذه الآثار وأهمية الحفاظ عليها من السرقة.