strong>أمل الأندري


  • حفيدة «حفّار القبور» تقتل ماضيها بالكتابة


  • «سيدة الأدب الأميركي السوداء» كرّست أدبها برمّته كي تمنح الألم جسداً ورائحةً ومذاقاً، لذا تضع شخصياتها في مآزق وجودية وحياتية. وهي لا تشذّ عن القاعدة مع «ابنة حفّار القبور»، روايتها الصادرة حديثاً في نيويورك، حيث تختلط مأساة «الهولوكوست» بقصّة انهيار الحلم الأميركي

    لا تنجو الروائية والقاصّة جويس كارول أوتس (1938) من «جيناتها» الأميركية مع أنّ مشروعها الأدبي قام على رسم فسيفساء كاملة ودقيقة لمجتمعها. تلك المرأة ذات البنية الهزيلة مدمنة على الأحداث السريعة أكان في كتبها التي تقطع الأنفاس أم في خصوبتها الإبداعية! منذ رواية «هم» التي تركّزت على معاناة أزمة عائلة بيضاء خلال أعمال الشغب في ديترويت ستينيات القرن الماضي (نالت عنها جائزة الكتاب الوطني ـــــ 1970)، باتت صاحبة «ماء أسود» تصدر روايتين كل عام، فضلاً عن مساهماتها الأدبية والنقدية في أبرز الصحف الأميركية منها «نيويورك تايمز». هكذا بات في رصيدها أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة ومسرح وشعر... يضاف إلى هذا الرصيد قدر لا بأس به من الحقد عليها في قلوب بعض مجايليها! «سيدة الأدب الأميركي السوداء» كما يصفها النقّاد، كرّست حياتها الأدبية كلّها في منح الألم جسداً ينطق به ورائحةً ومذاقاً. تهجس أوتس بالعنف. صفحات رواياتها كلها تنضح بالعنف، المادي والمعنوي، في أميركا المضطرة إلى سفك الدماء كي تحافظ على وجودها. هكذا كتبت عن سفاح القربى، والخيانة، والعنف الأسري ومشاكل المراهقين والفقر والصراع الطبقي، وشوائب النظام القضائي والصحي في أميركا... والاغتصاب ـــــ حتّى أقصى درجات اللذة. رواياتها تلك واقعية بامتياز، تميّزت بدقة الملاحظة، وبمقدرة مدهشة على نقل الأحاسيس وتكثيفها. فيما يقترب بعض تلك الروايات من عوالم «القوطية” gothic، من حيث اعتمادها على مناخات من الرعب والغموض.
    مَن غير جويس كارول أوتس يمكنه الجمع بين الاغتصاب والحبّ في إطار واحد؟ في رواية «اغتصاب: قصّة حب» (2005) تغوص الكاتبة في عيوب النظام القضائي الأميركي الذي يقف مع الجلاد أحياناً. فيما تروي في «سقطات» التي نالت جائزة فيمينا الفرنسيّة (2005)، التوسّع الصناعي في أميركا الخمسينيات والستينيات مدعوماً بفساد السلطة. ومع «شقراء»، خرجت برواية تخييلية عن مارلين مونرو التي «لم يفهمها العالم بل استعملتها هوليوود وحوّلتها إلى قنبلة جنسيّة». كأن هذه الكاتبة الإشكالية التي أثارت سخط العديد من النقّاد والأدباء، تجد متعة سريّة في إزعاج معاصريها. ألم يعتبرها الروائي ترومان كابوتي «أكثر الكائنات إثارةً للاشمئزاز»؟ لكن كل ذلك لم يحدّ من عزيمة أوتس. المرأة الغريبة التي ترى أنّ الشرّ هو نصف العالم، والمفتونة بـ«العفن الكامن خلف واجهة الحلم الأميركي» على حد تعبيرها، تستمر في سبر الوجه المظلم من العالم. وإذا كانت في روايتها الجديدة «ابنة حفّار القبور» («إيكو بريس» ـــــ نيويورك)، تتناول موضوعاً سبقها إليه عدد لا بأس به من الروائيين في أميركا وخارجها (المحرقة النازيّة)، فإنّها تقارب ذلك العبء الثقيل على الذاكرة الغربية، على طريقتها، ومن زواية خاصة.
    تقوم رواية أوتس الصادرة حديثاً في الولايات المتحدة على موضوع الهولوكست، إلا أنّها تحكي أيضاً قصّة الحلم الأميركي المجهض، وتدخل في الزوايا المعتمة لمجتمع مهووس بالعنف، وتستعيد هنا تيمتها المفضّلة: تصوير الألم بكل وجوهه.
    تحكي الرواية قصة ريبيكا، ابنة يهوديين ألمانيين هربا عام 1936 إلى أميركا. في ذاك القارب الذي ينقلهما إلى برّ الأمان، تبصر ريبيكا النور في لحظة مفصلية، وفي إحالة مجازية على ولادة جديدة للعائلة. في أرض الخلاص الجديدة، لن يجد والدها جاكوب، أستاذ الرياضيات، عملاً سوى حفّار قبور في منطقة نائية من نيويورك. شيئاً فشيئاً سيستسلم المهاجر اليهودي للعبة العنف: الضحيّة الغارقة في الحرمان والعجز والمهانة والكراهية لنظام لم ينصفها، ستمارس العنف على الأضعف منها في الدائرة العائليّة. هكذا يقتل جاكوب زوجته ويضرب ريبيكا حتى الإغماء قبل أن يفجّر رأسه، تاركاً ابنته أمام تحدٍّ جديد، يفرض عليها التخلّص من ماضيها لتتعمّد مرة أخرى بجراحها، سعياً وراء ولادة جديدة عبر تغيير اسمها وهويتها. الكاتبة التي وصلت إلى نهائيات جائزة نوبل مرتين، والمرشّحة الأبدية لتلك الجائزة، تهوى وضع شخصياتها في مآزق وجودية وحياتية، ثم تتركها تهيم على وجوهها تتنازعها مشاعر متناقضة ومتنافرة. أبطالها المطاردون دوماً بشبح الماضي، تدفعهم إلى القاع حيث يسحقهم ميراثهم الشخصي ويطبق عليهم فخ الجذور. لكن هذا السقوط ليس سوى معمودية قسرية لحياة جديدة. خلال تلك الرحلة، وذاك الانحدار، نعاين الألم، من خلال مشاهد استفزازية، مزعجة وكابوسية. إلا أنّ أوتس لا تدع أبطالها يغرقون في رؤيا كافكاوية إلى الوجود والحياة. لقد سلّحتهم بالدهاء والمكر والسخرية والإصرار على مواجهة مصاعب الحياة والخروج منها. كأنّما لم تفعل سوى استنساخهم من ضلعها هي، ومن ماضيها الشخصي الذي يضجّ بالعنف والوجع والولادات المتكرّرة أيضاً.
    عاشت أوتس طفولتها منعزلة مع شقيقتها المصابة بالتوحّد، في مزرعة جدّيْها في نيويورك. وتأثرت بمشهد فتيان الريف يحملون بنادق صيدهم، ليمارسوا مختلف أشكال العنف الجسدي والمعنوي. وشهدت حادثة سفاح قربى بين شقيق وشقيقته. وحين انتقلت إلى ديترويت في الستينيات، رأت العنف الذي ولّدته النزاعات العنصرية والاجتماعية هناك. الماضي إذاً هو مفتاح مشروعها الأدبي برمّته وعلّة وجوده. حتى الآن، من قلب الحياة الهادئة التي تعيشها أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة بريستون منذ 1984، ما زالت تقتل ماضيها بالكتابة. وها هي تهدي روايتها «ابنة حفّار القبور» الى بلانش جدتها لأمها التي كان والدها حفّار قبور أيضاً، وقَتل زوجته ثم انتحر.
    رواية أوتس الجديدة التي تأخذ شكل مراسلات بين ريبيكا وقريبة ألمانية لها نجت من المحرقة إنما تستعير هي أيضاً بعض عناصرها من ماضي أوتس البعيد. طوال حياتها، لم تفعل تلك الأديبة الغزيرة، سوى التطهّر من ماضيها الثقيل، هي التي قالت: «يسألونني دوماً كيف أكتب بهذه الغزارة؟ والأجدى أن يسألوني، لماذا أكتب؟». الجواب في مقال آخر لها: «عندما نتعرّض للعنف والأذى في حياتنا، لا يعود لنا من ملاذ سوى الخيال».