محمد خير


لم يترك فؤاد حداد (1927 – 1985) درباً إلا وخالفه، ولا نهراً إلا وسبح عكس تياره. هو اللبناني الأب، السوري الأم، الذي كتب بالعامية المصرية وأصبح واحداً من آباء هذه القصيدة. وهو الشيوعي الذي تنقّل بين المسيحية والإسلام... وهو المسجون الذي آثر أن يضيف إلى عزلته عزلة إضافية، فانفصل عن منظمة “حدتو” الشيوعية وهو بعد في السجن، معتبراً أنها تنتهج طريقاً مهادناً.
يقول في قصيدته “شرع التسالي”: “أنا والد الشُّعرا فؤاد حداد / أيوه أنا الوالد وياما ولاد / قبلسه ربيتهم بكل وداد / بعدسه تلميذ أولي وإعداد / تسالي”. ما معنى قبلسه أو بعدسه؟ الكلمتان لا تنتميان لا إلى العامية المصرية ولا الى اللبنانية. لكن لا يمكن أن تسأل حداد عمَّا يفعله. فالشاعر الذي تقدم فرقة “الشارع” أمسية من أشعاره على خشبة قصر اليونسكو هذا المساء، لطالما تماهى مع عنوان الأمسية “ازرع كل الأرض مقاومة”. هو أول من كتب القصيدة النثرية بالعامية المصرية، مقاوماً مسمّى “الزجل”. كتب أكثر من 30 ديوانًا شعرياً. وصفه صلاح جاهين بأنه “أشعر من خلق ربنا من الإنس والجان”.
أول دواويــــــــــنه “أحرار وراء القضبان” صدر عام 1955 من خلف أسوار معتقلات ثورة يوليو. قضى في تلك المعتقلات سبع سنين. مع ذلك، عندما مات جمال عبد الناصر، شيّعه حداد بإحدى أجمل قصائده “استشـــــــــــهاد جمال عبد الناصر”؟، فقال: “يا قلب عبد الناصر / قوم للجهاد والفرض / ولاجتماع الملوك / ويتامى يستعجلوك / الله يحب الجهاد ويحب الاستشهاد / والابتسامة اللي عرض الأرض والسموات / الله يحبك”.
من صراعات الشيوعية إلى أطياف التصوف، يكتب “ديوان المسحراتي” الذي لحنه سيد مكاوي، ليصير أجمل الأعمال الرمضانية على الإطلاق. يطوف الصائم مع المسحراتي: “والرِّجل تدب مطرح ما تحب / وكل شبر حتة من بلدي / حتة من كبدي / حتة من موال”.
تعبر مصر القناة في حرب أكتوبر فيعبر حداد مع الشباب الأسمر: “البنت قالت فستاني / منشور على الشط التاني / خدني المراكبي وعداني / ورجعت بالقمرة الليلة”، لكنه لا يستسلم لنشوة النصر، ويلاحق المتخاذلين المتراجعين عن طريق الثورة: ياللي كفرت بالاشتراكية / والمكنة التشـــــــــــــيكوسلوفاكية / بالتذكرة كما بالتزكية / بالمتشقلب بالمعدول / دلدول دلدول / كان عندي طاقية / طاقية شـــــقية من شقاوتها بقت طرطور “.
حداد هو الوحيد الذي جرؤ على وضع كلمة “تشيكوسلوفاكية” في قصيدة. لكنّ المتمرس في قراءة أشعاره لن يندهش، لا من الكلمات ولا من الصور الغريبة: “فجأة لقينا الليل بيشتي نهار، والأرض بلبل والسما فرجة”. هي قصيدته الشهيرة “الحلزونة” إحدى أجمل قصائد العامية المصرية على الإطلاق، لخّص فيها هموم الشاعر والمقاوم والسجين. عندما تلتفت إليه حبيبته “المستبدة اللطيفة” وتفاجئه: “ولّع سيجارة ولاّ مش هتولع / راجع لي بعد المدرسة تتدلع / دخانك اسود يبقى قلبك شايل / لكن هسيب حضني في حضنك مايل / اكمنش التفكير في حل المشاكل / ده هم طيب من هموم الحياة / قلت لها ياه / قالتلي يايا ويايا / دحنا بقينا في آخر الدنيايا / والزنبلك داير على الفاضي”.
هل أصبحنا في آخر “الدنيايا”؟ لا أحد يعرف. لكن كلام حداد يتحدث عن نفسه “ألفين سنة ويفضل كلامي جميل”. ولم لا؟ لقد كان يدرك أن “الشمس صنعتها تشمّس / والقلب صنعته يتحمّس / والآه لا صنعة ولا مجهود / باغني زي ما بتنفّس / وآه كأني ماقولتش آه”.