دمشق- خليل صويلح


تتلقف المكتبة العربية، بين عقد وآخر، اسماً روائياً “عالمياً” لتضعه في الواجهة، ويكون محور اهتمام القراء العرب. وعادة ما يكون الاكتشاف مصحوباً بدعاية صاخبة، قد تكون في مكانها أحياناً، كما كان الأمر مع غابرييل ماركيز وإيزابيل الليندي وبورخيس ورواد “الواقعية السحرية”. ,سرعان ما تتحول الوليمة الموعودة إلى موضة عربية خالصة، كما حدث لدى اكتشاف أعمال باولو كويلهو، الروائي البرازيلي الذي بدا كما لو أنه صاحب وصفة روحانية، مقتبسة من مناخات “ألف ليلة وليلة” والتراث الشرقي عموماً، جسّدها في روايات قد لا تترك أثراً طويلاً في ذائقة قارئ قدري في الأصل كالقارئ العربي.
في المقابل، يمكننا أن نقع على مثال مضاد، فقد سبق أن ترجمت وزارة الثقافة السورية، في ثمانينيات القرن المنصرم، ثلاثة أعمال للروائي سلمان رشدي، لم تثر اهتماماً في وقتها. لكن ما إن اشتعلت فضيحة “الآيات الشيطانية”، حتى تزايد الاهتمام بأعمال الروائي “الملعون” من موقع الفضول. اليوم، يكتشف القارئ كاتباً جديداً، هو الأديب البريطاني حنيف قريشي، بعدما تبنت “دار ورد” في دمشق ترجمة رواياته إلى العربية. ولقريشي خمس روايات هي: “بوذا الضواحي” (1990) و“الألبوم الأسود” (1995) و“الحميمية” (1998) و“موهبة غابرييل” (2001) و“الجسد” (2004). يكتب هذا الروائي من دون زخرفة. ذلك أن صاحب “مغسلتي الجميلة” يكتب ما يعيشه مباشرة، لتصب أعماله في نهاية المطاف في باب السيرة الذاتية. روايته “بوذا الضواحي” قنبلة كادت تنفجر بوجه الجميع، إذ عرّى فيها واقع المهاجرين في بريطانيا من خلال عناصر مأخوذة من سيرته الذاتية. وتكرر الأمر بالنسبة الى روايته الثانية “الألبوم الأسود”، وتحكي عن علاقة شاب آسيوي بفتاة بيضاء، راصدة نظرة أقرانه إلى تلك العلاقة.
أما في “الحميمية”، فيذهب قريشي إلى مربع أصغر، هو الأسرة.
ويفكك آليات استعباد الفرد باسم قوانين بالية وتقاليد جائرة... داعياً الى ضرورة التمرد على تلك المؤسسة القمعية التي تشبه قيداً أبدياً. والحب، كما يقول، مهمة شاقة. بل إنه صار اليوم “سوقاً حرة” في مجتمع يقوم على ديموقراطية مفروضة بقوة القهر والإرهاب والعولمة. تجدر الاشارة الى أنّ السيناريو المقتبس عن روايته “الحميمية” فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي 1999. “موهبة غابرييل” تتناول قصّة مراهق يدخل مرحلة جديدة من حياته، عندما يغادر والده المنزل، تاركاً ابنه من دون أي ملاذ سوى موهبته في الرسم.
وفي روايته “الجسد” التي صدرت أخيراً عن “دار ورد” في دمشق، ترجمة خالد الجبيلي، يعود إلى “الهوية”، ليطرح سؤالاً: هل إن تغيير الجلد يمنح صاحبه هوية أخرى؟ هذه الفكرة الغرائبية تقود عجوز اً إلى استبدال جلده بجسد شاب، لينتهي به التجوال معلّقاً بين هويتين. يقول الراوي في نهاية الكتاب: “كنت غريباً على الأرض، نكرة، لا شيء، لا أنتمي إلى أي مكان، جسداً وحيداً، محكوماً عليه أن يبدأ من جديد في كابوس الحياة الأبدية”.



الحب صار سوقاً حرة في مجتمع يقوم على ديموقراطية مفروضة بقوة القهر والإرهاب والعولمة