ليست القنوات العربية مهتمة بأعمال محمّلة برائحة البارود والحرب والدم. إلا أنّ أجود الأعمال السورية وأصدقها، ستحمل في طياتها حكماً هذه الرائحة، ولو قاربتها بطريقة كوميدية أحياناً. لذا، لم تجد هذه المسلسلات طريقاً إلى المشاهد إلا على المحطات المحلية في دمشق. لا تفوّتوا «الواق واق» الكوميدي، و«فوضى» الذي يجمع المؤلفين حسن سامي يوسف ونجيب نصير من جديد، ولا «ترجمان الأشواق» وغيرها.

انتهت الحكاية، وبدأت الأسماء تتوالى على الشارة الختامية، من دون أن تغفل توجيه الشكر إلى كلّ من أسهم في نجاح المصادفة، أو الطفرة التي تحققت للدراما السورية! لم يعد بالإمكان المواربة أكثر، أو التأمل والانتظار، وصياغة المزيد من الأحلام. لقد أفل نجم هذه المهنة الإبداعية، ووصلت إلى ما يشبه النهاية الحزينة المتوقعة! على اعتبار أنها لم تُرسِ قواعد صناعة حقيقية، ولم تملك منذ انطلاقتها مقومات الاستمرار، ولا وسائل الحماية والأمان من الكوارث المحتملة، والحصار المطروح من قبل محطّات الأشقاء العرب المرهونة أصلاً لجهات متآمرة على شعوب هذه المنطقة!

صوّر «روزنا» في حلب بعد تحريرها من الإرهاب


لم تمهّد الأرض أمام استمرارية الصناعة الوحيدة التي لمعت في سوريا، ولم يواكبها سوق عرض يقيها حاجة الوقوف على أبواب القنوات الفضائية، وذلّ السؤال عن البيع، وحماية القائمين عليها من الانحدار نحو سلوك فاسد يتمثّل في تقديم الرشوة لأصحاب القرار في بعض الفضائيات مقابل شراء أعمالهم! الحكومة بدورها تجاهلت كل الأصوات التي نادت بتنظيم عمل المنتجين السوريين، ومنعهم من تدمير ما بناه الجيل المؤسس للدراما، من خلال منطق تجاري بائد يعتمد على بيع المسلسل السوري بسعر زهيد، لا يتجاوز ألف دولار أميركي للحلقة الواحدة! على أساس أنه سيحقق دخلاً جيداً من خلال بيع العمل مرات كثيرة. هذا العام، أنجز السوريون مجموعة أعمال يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أصناف: أوّلها تلك التي اعتمدت على نصوص أنجزها كتّاب مكرسون، ورصدت لها ميزانيات خوّلت مخرجيها استقطاب نجوم مرموقين، فكانت باختصار مسلسلات الصنف الأوّل. لكنّ غالبيتها لم تسوّق، أو أنها بيعَت في آخر ربع ساعة لمحطّات لا تُعَدّ الأهم عربياً. هكذا، انحسر عرض مسلسل «الواق واق» بقناة «لنا» الحديثة التي تفتتح بثها به. علماً بأنّها مملوكة للمجموعة التجارية نفسها التي تضم «شركة إيمار الشام» المنتجة (المسلسل من تأليف ممدوح حمادة، إخراج الليث حجو، وبطولة رشيد عسّاف وباسم ياخور وأحمد الأحمد ومحمد حداقي وشكران مرتجى ووائل زيدان).

يؤدي رشيد عسّاف شخصية «الماريشال عرفان الرقعي» في «الواق الواق»

رغم الصيت الكوميدي اللامع الذي صنعته ثنائية حجو وحمادة، والذكاء في تحميل المادة الدرامية دلالات ورمزية وانفتاحاً على تأويلات مختلفة، إلا أنّ المحطات اعتصمت عند قرارها بمقاطعة المنتج السوري المعني بتقديم مادة محلية خالصة، ومستوحاة من واقعه المرّ. «الواق واق» قصة افتراضية لباخرة مواشي غرقت في مجاهل البحر، وعلى متنها مجموعة من السوريين الباحثين عن وطن بديل، وهم متلونون بانتماءاتهم وقومياتهم ومهنهم. ينجو هؤلاء ويعثرون على جزيرة مهجورة، إلا أنها تصلح للحياة البشرية، فيبدأون بتأسيس دولة عليها. مجموعة من الكركتيرات المتنوعة بتناقض حاد بين الـ Farce و«الواقعية» تخلّف يومياتها، وتنازعاتها على السلطة والمجد والضوء، مادة درامية دسمة. اللافت أن بعض العارفين باللغة الروسية، نبشوا برومو لمسلسل تراجيدي روسي اسمه «الجزيرة المنسية» يقوم على الفرضية نفسها، لكن بصيغة ميلودرامية بعيدة تماماً عن الكوميديا. علماً بأن الكاتب يقيم في بيلاروسيا منذ زمن طويل!
أما ثاني الإنتاجات المهمة، فيتمثّل في مسلسل «فوضى» (تأليف حسن سامي يوسف ونجيب نصير، إخراج سمير حسين، وبطولة كلّ من سلّوم حداد، وفادي صبيح، وعبد المنعم عمايري، وديمة قندلفت ــ «الجديد», و«سما», وART, و«سورية دراما»). استمر تصوير العمل لما بعد رمضان الماضي. ورغم متسع الوقت الذي كان أمامه، إلا أنّ المسلسل لم يُبع إلا في الوقت بدل الضائع. تتكئ الحكاية على الحرب بصورة تأسيسية، وتنطلق من مشهد نزوح جماعي يمثّل صورة دقيقة عن التغريبة السورية نحو الحدائق الخلفية للحياة الاجتماعية في دمشق والفساد القضائي وتأسيس المافيات وتجّار الحرب. يوميات تسوّرها الفوضى والعشوائية والانحدار نحو الارتجال والضوضاء الأخلاقية، وتهاوي المنظومة الاجتماعية.
أما العمل الثالث «روزنا» (كتابة جورج عربجي، إخراج عارف الطويل، وإنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني، وبطولة بسام كوسا، جيانا عيد، نادين تحسين بيك، وميلاد يوسف ـــ تعرضه الفضائية السورية و«سوريا دراما»)، فلم يجد طريقه نحو العرض على فضائيات مهمة، رغم تداول أخباره، وفيديوهاته المصوّرة بمزاج إيجابي. هو بمثابة عودة للدراما الحلبية التي سبق أن حققت بعض أعمالها («خان الحرير» بجزءيه، «الثريا»، «سيرة آل الجلالي») نجاحات كبيرة في المراحل الأولى لانطلاقة الدراما السورية. في هذا العمل الذي يستعير اسمه من أهزوجة «الروزنا» الشهيرة التي نسبت إلى حلب والمدارس الطربية الأصيلة فيها، سيكون المشاهد أمام مقترح حكائي واقعي يلامس نسبة كبيرة من تجّار حلب وطبقتها الغنية، أو المتوسطة، التي استيقظت ذات صباح لتجد أن الإرهاب ضرب طوقه حول حياتها، فلم يكن أمامها سوى النزوح. وقد اختارت العائلة التي تدور حولها القصة وجهتها نحو دمشق، لتبدأ التحولات الجذرية في سوية عيشها، وسط حالة البحث عن حلول متقشفة تسعفها في رحلة مواجهة واقع الحرب المأزوم. اللافت أن المسلسل هو أوّل عمل تلفزيوني يصوّر جزء منه في «مدينة أبي فراس الحمداني» بعد تحريرها من الإرهاب.
«الواق واق» جزيرة مهجورة يستوطنها نازحون


في السياق ذاته، أنجزت «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني» مسلسلاً ثانياً بعنوان «رائحة الروح» (تأليف أيهم عرسان، إخراج سهير سرميني، بطولة وائل شرف وفراس إبراهيم ورنا الأبيض ومحمد قنوع ووائل أبو غزالة ــ يعرض على القنوات السورية). العمل لا يتكئ على حكاية واحدة واضحة المعالم وذات مغزى محدد، بل ينطلق معتمداً على مجموعة متشابكة من الأحداث والتفاصيل، والحكايات الصغيرة، التي تركّز على التفاوت الطبقي في المجتمع السوري، بعيداً عن الظرف الراهن، والتصادم مع شخصيات طموحة وأخرى طماعة وثالثة يقتلها الجشع. كل ذلك من خلال كواليس خمس عائلات تتفاوت حالتها المادية. تكشف لنا المعطيات فساداً يعتري كل تلك الطبقات، ويصل إلى بعض رجال الدين المتمترسين خلف مسميات روحانية لمواراة فسادهم من دون أن يغفل العمل قصص الحب والخيانة.
أخيراً، قد يكون هذا الموسم فسحة لأن نشاهد مسلسل «ترجمان الأشواق» (كتابة بشار عباس، إخراج محمد عبد العزيز، وبطولة غسان مسعود وعباس النوري وفايز قزق وشكران مرتجى وثناء دبسي ـــ إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني ـــ «لنا»). في هذا العمل، سنتابع حكاية معتقل سياسي ماركسي الهوى، يخرج من السجن، فيجد أن زوجته قد طلّقته غيابياً، واحتفظت بحضانة ابنتهما الوحيدة وفقاً للقانون. هنا يترك كلّ شيء خلفه ويسافر، وينغمس في تطوير ذاته، وتعلّم لغات مختلفة. لكنه سيعود بحثاً عن ابنته المخطوفة ليجد نفسه بعد قرابة ربع قرن أنه لم يضع عائلته فقط، بل فقد كل بلاده. يعود فيلتقي برفاق قدامى ويجد أحدهم قد غرق في ملاهي الحياة، لكنّه يتجه نحو التصوّف ويخلق لنفسه دوراً في التعاطي مع الجماعات الإسلامية العاملة على الأرض في الحرب السورية. من جانبه، ظلّ «سايكو» (تأليف أمل عرفة وزهير قنوع، إخراج كنان صيدناوي، وإنتاج «زوى»، بطولة أمل عرفة وفادي صبيح وناظلي الرواس وفايز قزق) حبيس الأدراج للعام الثاني على التوالي، فيما يمكن أن تجد بعض المسلسلات التي عرضت على المحطات المشفرة، مكاناً على الفضائيات السورية وغيرها مثل «شبابيك» (مجموعة كتاب، إخراج سامر البرقاوي) و«الغريب» (عبد المجيد حيدر ومحمد زهير رجب) و«وردة شامية» (كتابة سليمان عبد العزيز، إخراج تامر إسحق ـ «الجديد»، «حواس»، «الشروق»، «الجزائرية»).