لو أنّ مسلسلاً مثل «تانغو» (تعريب إياد أبو الشامات ـــ إخراج رامي حنا ـــ إنتاج «إيغل فيلمز») ذهب لمخرج غير صانع «غداً نلتقي»، لكان الأمر أخف وطأة، على اعتبار بأن شركات الإنتاج، والمحطات العربية الأكثر مشاهدة في الوطن العربي قد عوّدتنا على مشاريع كبيرة باذخة إنتاجياً، لا تقل سذاجة عن هذا المسلسل. عمل يستعير حامله الرئيس من منظور خيانة أرجنتينية قدّمت على مدار 70 حلقة تلفزيونية، بعدما اشترت الشركة اللبنانية حقوق تعريب العمل، وأوكلت مهمة إعادة الكتابة إلى الممثل والسيناريست السوري إياد أبو الشامات. وإذا به يضع اسمه على الشارة كمؤلّف وكاتب سيناريو وحوار! قلنا لا ضير، ربما يكون هناك لبس ما، أو أننا سنشاهد مقترحاً حكائياً مغايراً بشكل جذري للعمل الأصلي. لكن حلقات «تانغو» كادت أن تنقضي، والنتيجة ليست مبشّرة، طالما أننا أمام وجبة خيانة جنسية مفتوحة، مطعمّة بنكهة بوليسية مفتعلة، تنأى بنفسها عن الضبط اللازم، والإقناع المطلوب، من دون أن تفقد شيئاً من التشويق ولو بطريقة مرائية! وإن لم تكن هناك فائدة من إعادة سرد الحكاية، إلا أنّ لا بديل عن التذكير بأن العمل يقدّم قصة زوجين هما رجل الأعمال عامر الباشا (باسل خيّاط) ولينا (دانا مارديني) إضافة إلى زوجين آخرين هما المهندس سامي (باسم مغنية) وخريجة الإعلام وراقصة التانغو فرح (دانييلا رحمة). يلتقي عامر بفرح مصادفة في أحد محلّات الثياب، فيغرم بها. وخلال وقت قصير جداً، تكون طبخة الخيانة قد وضعت على النار، رغم غياب مبرراتها التي قرر صنّاع العمل تأجيلها لنا إلى حلقاته المتتالية. حينها أيضاً، سنكتشف أن الباشا مجرّد قاتل مأجور وواجهة لعصابة مافيا خطيرة، بعدما كنا نظن أنه يرهب الكون بمسدسه الصغير! وسنراقب توليفة خيانة جديدة بين لينا وسامي. بعد أن يصلا السرير، يتوقفان فجأة، كأن الخيانة هي فقط ممارسة الجنس! المهم، يجدان صيغة صداقة متينة لعلاقتهما، ثم يحل بدلاً منه طلال، خطيب فرح السابق! طبعاً ماتت راقصة التانغو مطلع القصة في حادث سيارة، وهي برفقة عشيقها، وسارت الرواية بين زمنين الماضي والحاضر، بعدما أُطلقت عليهما رصاصة جعلت السيارة تنقلب، فيدخل الرجل في غيبوبة، وتقتل الفتاة وتدفن بعيداً عن مكان الحادث، الذي بدا تصويره مربكاً رغم أن المشهد التأسيسي تبنى عليه أحداث العمل كاملاً. كأنه نفّذ باستعجال، مع فرق بسيط في اللون بين غرافيك انقلاب السيّارة، والمشهد الفعلي، مما خلّف خللاً لدى المتابع المتمرّس، إضافة إلى حدوث إصابات مبالغ بها قياساً بالسرعة التي كانت تمشي بها السيارة. هكذا، مشينا مع تراتبية أحداث تليق فعليّاً بأميركا اللاتينية، ومجرّد وضعها في السياق العربي سيترك آثار عطب واضح، ومسألة تبني هذا المسلسل نقدياً من قبل أيّ من صنّاعه بذريعة جماهيريته، سيكون بمثابة تهوّر غير محسوب. باختصار، «تانغو» أنجز بمنطق الصفقة التجارية بهدف ربحي، أكثر مما كان معنياً بالقيمة الفكرية وذائقة المشاهدين. هذه الخلاصة بسبب مجموعة دلائل أهمها أن الدراما المعاصرة يجب أن تنتمي مكانياً وزمانياً، لتترك إنطباعاً سويّاً لدى المشاهد، وتحقق الشرط المنطقي في بناء الشخصيات. لكنّ الحدث الجوهري في حكاية «تانغو» تنقصه المبررات للاحتيال على المشاهد، وإقناعه بأن من يتابعهم بشر مثله، وقد يصادف أحدهم في الشارع. حتى طريقة الأداء عند بطل المسلسل (باسل خيّاط) تنسجم تماماً مع إيقاع الأعمال المدبلجة خاصة في طبقة الصوت، والأداء الحركي، وحتى الشكل الخارجي. ربما وُضع نجم «30 يوم» (إخراج حسام علي) في غير مكانه، وأسند إليه دور دون إمكانياته وبراعته. ومن المؤكد بأن المتابع سيسأل نفسه: كيف لرجل أعمال أن يقطع مسافات طويلة بمفرده، وهو يحمل رزم الدولارات بأكياس القمامة في صندوق سيّارته؟ وكيف لأجهزة الدولة أن تموت سريرياً عن كلّ الجرائم المافيوية التي كان يهندسها عامر، ثم تصحو فجأة لتنكّب على شغلها الدؤوب في جريمة قتل أو حادث مدبّر طيلة ثلاثين حلقة، بينما يردد ضباطها بأنهم عاجزون عن كشف من يقف وراء الباشا أو مجابهته؟!

إلى جانب ذلك، تذهب الحوارات في مكامن عدّة نحو ذروة البلاهة الدرامية، كأن نسمع العشيقة تطلب من حبيبها طلاق زوجته. ولدى اقتراحه عليها أن تكون زوجته الثانية، ستثور في وجهه، معتبرة بأنه «بلا أخلاق» لأنه قدّم اقتراحاً بأن تكون زوجة ثانية؟! أو نرى حلولاً سوريالية، فمنذ اندلاع عشق فرح في قلب عامر، تمكّن من جذبها بطريقة «دونجوان» وبحرفة «زير نساء». لكن لاحقاً سيصفعنا قصور النص بأن الرجل لم يمرّ في حياته سوى زوجته وعشيقته التي يتمسّك بها إلى الحد الأقصى. ومن الملامح التي تدعو للتهكم، ما شاهدناها عندما وقع قرط فرح في «شاليه» عامر، ففوجئ الأخير بأن زوجته تحضّر في اليوم التالي عزيمة هناك، ليقود سيارته كالمجنون ويصل سريعاً غرفة نومه، ويبدأ البحث. وفي لحظة عثوره على ما أضاعته عشيقته، ستدخل زوجته. يرتبك عند سؤالها له عن سبب تخريبه السرير وعما يبحث عنه، فيجيبها أنه كان «يبحث عن حذائه»! ما سبق ليس إلا مثالاً بسيطاً يبرهن بأن الورق أنجز بدون تركيز لازم، وبلا معرفة عميقة في إيجاد مخارج، وبناء حلول درامية صحيحة، أو توضيب وجبة تمكّن المخرج من استعراض أدواته بمزاج عال، إضافة إلى وقوع خلل في المونتاج تحديداً في نهاية الحلقة 27 وبداية الحلقة 28. إلى جانب انتهاء حلقات في مطارح مرتفعة بالذروة التشويقية، ومن ثم تبديدها عند فتح الحلقة الجديدة على مكان آخر، في حين ظلّ المخرج طيلة الحلقات أسير طريقة رديئة للإشارة إلى الزمنين أي من خلال الكتابة على الشاشة. كلّ ذلك لا ينفي موهبة رامي حنا العميقة، وجهده المبذول، ليدبّ الروح الإبداعية في قصة «دراما غرف النوم» التي وصلت بين يديه وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، فقرر إنعاشها بصعقات كهربائية إخراجية، تمثّلت بافتعال التشويق، المدعّم بالصورة الجذابة، والحس البصري العالي، والضبط اللازم لأداء غالبية الممثلين، واكبتها موسيقى فادي مارديني بلعب ذكي في مكان قريب من أغان معروفة، خاصة في ضربات الكمان المشغولة بعناية ووجدانية فائقة.

* «تانغو» 23:00 على قناة lbci و 21:00 بتوقيت بيروت على قناة «mbc4»