رسمياً، صار وليد اسكندراني آخر باعة الصحف المتجوّلين في صيدا. قبل أيام قليلة، أقلع آخر زملائه، سليم الصباغ، عن بيع الصحف والمجلات مختتماً سنوات أمضاها في حي الشاكرية في صيدا القديمة. «لم تعد ترد همّها»، يومئ بيده لا مبالياً. تحوّل إلى بيع أوراق اليانصيب واللوتو «لأنّها أربح». أما اسكندراني، عميد الباعة منذ 46 عاماً، فقرّر الصمود إلى أجل غير مسمى، لأنّ «الذي تعرفه أحسن من الذي تجهله».

قبل سنوات طويلة، أقفل الفرن الذي كان يعمل فيه الصباغ في البلدة القديمة. بناءً على نصيحة صديق، تحوّل إلى بيع الجرائد والمجلات التي كان تعدّ مهنة رائجة ومربحة آنذاك. كان جاراً لأبي توفيق الروّاس (شقيق المطربة فايزة أحمد)، أحد أبرز بائعي الصحف وموزّعيها على الباعة المتجولين. أبناء الرواس كلفوا الصباغ بإدارة بسطة المقالات والصور عند مدخل مطرانية الروم الكاثوليك في الشاكرية قبالة منزل الشهيد معروف سعد. تحت فيء إحدى زوايا المدخل الحجري المقنطر، كانت الجرائد والمجلات مورد رزق وافر في الحي الذي كان قلب صيدا وموئل سياسييها ومثقفيها وأساتذتها الذين يقصدون المقاهي المحيطة. وعلى الرغم من أنّ الصبّاغ يعاني من صعوبة في النطق والسمع، لكن التآلف مع النصوص والمقالات، جعله مثقفاً «عن الغائب»، يحفظ أسماء الجرائد وكتابها. «كانت الجريدة آنذاك سلعة أساسية تحكي وتهز»، في إشارة إلى إقبال الكثيرين على شرائها يومياً والتفاعل مع أخبارها ومقالاتها.


منذ سنوات، بدأت الأحوال بالتراجع. وإذا كان المثل الشائع يقول «اللي ما يشتري يتفرج»، لم يعد أحد يشتري، بل الكل صار يتفرّج فقط، يقول الصباغ، مضيفاً: «يتصفحون الجرائد والمجلات ثم يعيدونها إلى مكانها و يغادرون». يتدخل جاره صاحب محل الأقمشة ليبرّر تراجع نسبة الشراء: «الخبر يأتي عبر الواتساب أو التلفزيون مجاناً. لماذا أشتريه بائتاً في اليوم التالي بالمال؟». وجهة نظر بياع الأقمشة صارت نظرية شائعة أنتجت تغييراً قسرياً لمهنة الصّباغ، من بائع كلمة وصورة إلى بائع حظ.
أما اسكندراني، فقد ورث الكلمة والصورة عن والده وجدّه اللذين امتهنا بيعها منذ عقود. كان في التاسعة من عمره عندما توفي والده، فحمل عنه صحفه ومجلاته ووقف يبيعها في الشاكرية ومقاهي شارع رياض الصلح. منذ الفجر، كان دوام الفتى يبدأ. يبيع الجرائد طازجة فور وصولها من المطابع في بيروت فجراً، للموظفين والمثقفين والأساتذة والأطباء والمهندسين والسياسيين في طريقهم إلى عملهم. وحدها جريدة «لسان الحال» كانت تصدر ظهراً. سعر الجريدة كان آنذاك ربع ليرة. غلّته اليومية لم تكن تقل عن 800 ليرة، لا سيما أيام الأحداث التي مرت على صيدا وما أكثرها؛ اغتيال سعد وأحداث الاجتياح الإسرائيلي وشرقي صيدا.
«لم يقلّ عدد القراء، بل قلّ عدد من يدفع مالاً ليشتري المعلومة»، يقول اسكندراني الذي توقف عن التجوال ببضاعته واكتفى بعرضها على سطح سيارته أمام شركة الكهرباء، أي في صيدا الجديدة. لا يعتب على من استبدل الصحيفة بالإنترنت. هو نفسه لم يكن يجيد القراءة والكتابة، ولم يهتم يوماً بفك الحروف لفك المقال. «للفقراء اهتمامات أكثر أولوية من أخبار الناس والساسة».