عمان، القاهرة | تبحث عمّان، كما القاهرة، عن مصالح خاصة في الخريطة الإقليمية، لكنها لا تبتعد في خطوطها العريضة عن ملفات مشتركة اكتسبت طابعاً مختلفاً في عهد «المكاشفة الأميركية»، والصيغة التي يُحضّر لها بعنوان «صفقة القرن». وجاء تنشيط التواصل بين الجانبين عقب زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي ظهر أكثر راحة وصراحة في القاهرة، وكشف دفتر الأولويات للحلفاء، وفي صدرِ متونه «مجابهة إيران ومحاربة الإرهاب». وبينما تزامنت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي للأردن، مع نشر الرئاسة المصرية فيديو ترويجياً عن العلاقات الثنائية خلص إلى «توافق الرؤى والأهداف»، جاء موضوع الغاز المصري المصدَّر إلى المملكة ليتصدر الأجندة الاقتصادية، ويوقّع البلدان اتفاقية لضخ الغاز المصري في 2019.

هذا الموضوع لا يمكن قراءته بعيداً عن الاتفاقيتين اللتين وقعتهما العاصمتان، كل على حدة، مع شركة «نوبل إنيرجي» الأميركية لاستيراد الغاز من حقل «ليفاياثان» قبالة سواحل حيفا المحتلة، لكنه أيضاً يعيد قضية التفجيرات الدورية في خط الغاز المصري على نحو أثّر في الكميات التي يحصل عليها الأردن، ما أدى إلى زيادة فاتورة الكهرباء، وتذرع الحكومة بهذا الانقطاع لتوقيع اتفاقية الغاز مع إسرائيل. وعلى رغم أن الجانبين لم يكشفا التعديلات التي وقّعها وزيرا البترول، كما العادة، إلا أنها تصب في مصلحة التوجه المصري لإسالة الغاز في محطات «المحروسة»، وتصديره إلى الدول المجاورة، علماً بأن عمّان تلتزم سداد مستحقات الغاز للقاهرة، وهو ما يعزز السعي المصري إلى خفض عجز الموازنة المزمن.
يشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 614 مليون دولار في 2017، في وقت بلغ فيه حجم الاستثمارات المتبادلة 2.1 مليار دولار عبر 1200 شركة أردنية تستثمر في مصر، مع أن الاستثمارات المصرية في المملكة أقل، بواقع 500 شركة تستثمر مليار دولار. من جهة أخرى، ترى القاهرة في موضوع العمالة المصرية في الأردن ملفاً حيوياً، ولا سيما مع تقديرها نسبتها بـ 70% من مجمل العمالة الوافدة إلى المملكة، على رغم أن هذه النسبة مبهمة مع وجود أعداد كبيرة من العمال المصريين مِمَّن يعملون بصورة غير قانونية في البناء والزراعة.

قمّة «ما بعد بومبيو»
على الصعيد السياسي غير البعيد عن الاقتصاد، وعلى رغم أنه لم يكن هناك حديث مباشر عن معاداة إيران، إلا أن عمّان والقاهرة اللتين تتلقيان مساعدات عسكرية ضخمة، لا تملكان سوى أن تكونا جزءاً من هذه المعركة بالوكالة، التي شدد عليها بومبيو أخيراً. وجاء لقاء أمس لمناقشة تفاصيل التحالف الجديد الذي تسعى واشنطن إلى بنائه، كما نقلت مصادر مطلعة أنه شمل «الموقف المصري من العلاقات مع قطر»، وخاصة مع طلب أميركي تحسينها، وهي تفاصيل نوقشت في اللقاء المنفرد بين الرئيس والملك.
في القضية الأهم والأقدم، ردّد السيسي وعبد الله الأسطوانة المعتادة عن حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، معيدين التذكير بـ«مبادرة السلام العربية» واستئناف المفاوضات. لكن ما تنقله المصادر يكشف عن الانتقال إلى «مستوى آخر هو ملف (حركة) حماس المقلق»، سواء في غزة الذي تنخرط فيه القاهرة، أو الضفة المحتلة الذي عاد الأردن إلى متابعته أخيراً (راجع العدد 3646 في 2018/12/22). فعمّان، التي فتحت أبوابها لرموز السلطة وليس آخرهم «كبير المفاوضين الفلسطينيين» صائب عريقات الذي قصدها منذ أيام، لا تزال ترسل وفوداً على مستويات عدة إلى الضفة، منهم وزير الداخلية سمير مبيضين، وذلك في محاولة لترتيب ما يمكن.

استثنت الولايات المتحدة الأردن من الإغلاق الحكومي للموازنات


على الصعيد المصري، قالت مصادر في القاهرة لـ«الأخبار» إن الترتيب للزيارة «جاء على عجل، ورغبة في مزيد من التشاور بين السيسي وعبد الله حول القضية الفلسطينية والرؤية الأميركية الجديدة بشأنها... وبحث إمكانية تحقيق أفضل وضع بشأن القدس». ونقلت المصادر أن الرئيس المصري أطلع مضيفه على «تفاصيل ما تناوله مع وزير الخارجية الأميركي وسعيه إلى التعامل بصورة جديدة مع القضية الفلسطينية». تقول المصادر إن السيسي «أبدى تخوفه من فرض الرؤية الأميركية بالقوة في ظلّ الدعم اللامحدود لإسرائيل منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، وما تبعه من أوضاع أميركية داخلية تسير في الاتجاه نفسه»، وخصوصاً أن «الأزمة الحقيقية الآن هي غياب الموقف الفلسطيني الموحد الذي يمكن التفاوض بشأنه، ما سيكون له تأثيرات سلبية إذا لم يحل قبل أبريل (نيسان) المقبل». وتكمل المصادر نفسها أن «واشنطن وعدت بإمرار الصفقة دون اعتراض خليجي على الأقل، هذا إن لم يكن تأييداً... إبعاد الجامعة العربية عن الملف يراد منه تقليل وجهات النظر المختلفة بشأن التعامل مع القضية الفلسطينية».
إلى ذلك، استثنت واشنطن عمّان من الإغلاق الحكومي في شأن الموازنات، إذ أصدرت السفارة الأميركية في المملكة بياناً أمس قالت فيه إن حصة الأردن السنوية من المساعدات المقررة العام الماضي مستمرة، وخصوصاً أن هذه المساعدات تأتي في «نطاق الحرب على الإرهاب»، التي تشارك فيها القاهرة، وتتعاون فيها مع إسرائيل وفق ما صرّح به السيسي أخيراً.



وزير الطاقة الإسرائيلي يلتقي السيسي؟
وصل وزير الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلي، يوفال شطاينتس، إلى مطار القاهرة الدولي أمس، للمشاركة في «المؤتمر الإقليمي الأول لمنتدى الغاز الطبيعي»، وسط تقارير تقول إنه سيجتمع مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لبحث «النشاط الإرهابي» في محافظة شمال سيناء. ومن المقرر أن يشارك شطاينتس في المنتدى الذي يبحث «التعاون في صناعة وتصدير الغاز الطبيعي»، ويشارك فيه ممثلو دول؛ بينها الأردن واليونان وإيطاليا وقبرص والسلطة الفلسطينية. لكن مصادر مصرية نفت أن تكون هناك نية لعقد لقاء بين الوزير والسيسي، لكن الأول سيلتقي على الأقل وزير الكهرباء المصري، محمد شاكر، لبحث «صفقات محتملة» في مجال الطاقة والغاز.