القاهرة | لم يكن بناء أكبر جامع وأكبر كنيسة في العاصمة الإدارية الجديدة في القاهرة، وافتتاحهما بداية العام الجاري (بعد سنتين فقط على إطلاق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، دعوته لبنائهما ليكونا «رمزاً للسلام والتجاور») سوى جزء من رغبة «الجنرال» في تنفيذ كل ما يريده، دون دراسة جدوى حقيقية، ليست للمنفعة التي ستعود من أوامره فحسب، بل لكلفة التنفيذ، خاصة مع إصراره الدائم على تحقيق طلباته في مدد قصيرة جداً، كأن اختصار الوقت دليل على الجدية في العمل.

خلال السنوات الأخيرة، تحمّل تبعات هذه القرارات كلٌّ من موازنة الدولة والمواطن البسيط، وأحياناً الشركات المتعاملة مع الحكومة في تنفيذ المشروعات. فعلى سبيل المثال، تؤكد التصريحات الرسمية التي صدرت مع افتتاح أكبر جامع (الفتّاح العليم) وأكبر كنيسة (ميلاد المسيح) أن الشركات المنفّذة لم تتقاضَ سوى 25% من الأموال المستحقة لها، في حين أن الـ75% الباقية دون سداد حتى الآن. إضافة إلى ذلك، لا توجد جدولة زمنية لتسديد هذه المستحقات، علماً بأن الشركات المنفذة توزعت بين قطاع عام كـ«المقاولون العرب»، وأخرى خاصة، الأمر الذي يعني أن خزانة الدولة وجيوب ملاك القطاع الخاص تتحملان معاً تنفيذ أمنيات الرئيس دون أن يسدد كلفة ما يأمر به.
الأزمة ليست محصورة في هذا المسجد والكنيسة الموجودين في قلب الصحراء، ولا يتردد عليهما سوى العشرات حالياً، مع أنهما مفارقة واضحة، لكن المشهد يشمل مشروعات قررت الرئاسة تنفيذها ثم اختزالها، على غرار تفريعة قناة السويس التي نُفّذت في عام واحد، ما حمّل الاقتصاد المصري كلفة كبيرة واستنزافاً للعملة الصعبة، أسهما في تدهور قيمة الجنيه وانخفاض سعر صرفه بعد أشهر من افتتاح التفريعة بنحو 100% أمام الدولار، خاصة أن الاحتياطي النقدي نفد جراء تسديد مستحقات الشركات الأجنبية بها.

نال الشركات الخاصة المنفّذة لمشاريع الحكومة نصيب من الضرر


مع ذلك، منذ بداية العام والسيسي يتبنّى ويطلق مبادرات جديدة، وتارة يطلب من المواطنين تحملها، وتارة من الجمعيات الخيرية. الحديث هنا عن ثلاث مبادرات. الأولى «حياة كريمة» التي تهدف إلى «توفير منازل آمنة للمواطنين في القرى الأكثر فقراً». حُدِّدَت 100 قرية كمرحلة أولى، في مبادرة تشبه سابقة كان قد تبناها جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع، عام 2009. أما الثانية، فهي «إيواء المشردين في الشوارع وتوفير مأوى لهم من البرد»، في حين أن الثالثة اعتمدت «دهان واجهات المنازل بألوان موحدة لتحقيق مظهر حضاري».
في المبادرات الثلاث، كلف الرئيس الحكومة نظرياً التعامل معها، لكن في الواقع جاء تخطيط الحكومة للتنفيذ عبر تحميل آخرين كلفة النفقات. ففي المبادرة الأولى، التي أسندت إلى وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، كان الحل الاجتماع مع منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية المختلفة لتباشر والي توزيع أموالهم (من تبرعات المصريين للأعمال الخيرية) في تنفيذ مشروع السيسي الجديد. خطوة عززت بها الوزيرة سيطرتها على أوجه إنفاق الجمعيات التي تتصرف وفق توجيهات الدولة منذ رئاسة «الجنرال»، لدرجة أن رئيس «جمعية الأورمان الخيرية» أقسم أمام الرئيس في إحدى المرات إن مصر ليس فيها فقراء، وهو ما انعكس بصورة حملات مقاطعة للجمعية التي يرأسها حالياً لواء متقاعد.
أما المبادرة الثانية، فطُبّقت أيضاً عبر الوزارة نفسها، وقد أطلقها السيسي بعد نشر صورة على «فايسبوك» لسيدة مسنة تفترش الطريق بالقرب من محطة مترو وسط القاهرة، لكن المشهد الذي صار معتاداً منذ سنوات، قرر الرئيس القضاء عليه، وفجأة انطلقت سيارات من «التضامن الاجتماعي» بـ«لوغوهات» مطبوعة مسبقاً للتعامل مع المشردين في الشوارع. ولا تبدو الوزارة ثرية بالقدر الذي يجعلها تتعامل مع أوامر السيسي وتوجيهاته، لكنها تتعامل في جزء كبير من العمل الجديد مع الجمعيات الخيرية التي تحمل صفة الاستقلالية اسماً فقط، خاصة أن المخصصات المالية للوزارة ولبرامج الحماية الاجتماعية تراجعت كثيراً، كذلك توقف تحسينها رغم رفع الأسعار أكثر من مرة، بل نية زيادتها مجدداً خلال وقت قريب.
المبادرة الأخيرة، الخاصة بواجهات المنازل، وجّه السيسي إلى تنفيذها رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، الذي كلّف وزير التنمية المحلية، اللواء محمود شعراوي، والأخير وجّه المحليات للعمل على المبادرة مع تحديد ألوان لواجهات كل منطقة بما يتوافق مع تعليمات الرئاسة، على أن تكون التكلفة ملزمة للمواطن لا الحكومة، وأن يكون التنفيذ من الفور. وفي حال الاعتراض، تطبق نصوص قانونية تمنح الحكومة أحقية فرض غرامات على المنازل، على أن يبدأ المشروع بالمنازل المحيطة بالطريق الدائري والمحور المركزي، وهي الطرق التي يستقلها رئيس الجمهورية في تحركاته داخل العاصمة.