القاهرة | مع مرور أكثر من شهر على حالة الاستنفار الإعلامي المصري التي أعقبت فيديوات المقاول والفنان محمد علي، عن الفساد في عمليات البناء التي ينفذها الجيش ضمن المشروعات القومية، والإنفاق ببذخ على تشييد مزيد من القصور والاستراحات الرئاسية، لم يُغيّر القائمون على المنظومة الإعلامية الرسمية، أو تلك الخاصة التي تشرف عليها المخابرات، شيئاً في استراتيجياتهم، على رغم أن المواطنين اتجهوا إلى مواكبة إعلام المعارضة الذي يبثّ من الدوحة وإسطنبول ولندن، وفق تقارير رفعتها جهات مختصة.

ومع أن ميزانية الإعلام المصري تفوق ميزانية قنوات جماعة «الإخوان المسلمون» وأيٍّ من المعارضين في الخارج، فضلاً عن تعدّد نوافذه، فإن السياسات القديمة بقيت كما هي. فلا مدير مكتب وزير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، الضابط أحمد شعبان، ولا نجل الرئيس، محمود السيسي، حاولا معالجة الأداء بطريقة مختلفة، بل استمرّ كل شيء بالتعليمات نفسها، على رغم انحسار المشاهدات بصورة غير مسبوقة، وهو ما يظهر كذلك في تراجع نسب المشاهدة الإلكترونية عبر «يوتيوب» لعدد كبير من القنوات التي يشرفان عليها.
هكذا، يواصل شعبان إدارة المنظومة مع نجل السيسي بالعقلية نفسها: أوامر يجب أن تُنفَّذ بغض النظر عن منطقيّتها، وإعلام مُوجّه نحو هدف واحد هو الحديث عن إنجازات الرئيس وجهوده ودوره، ومنع للانتقادات أو حتى المناقشات لما يحدث في الداخل، ولو في القضايا المرتبطة بالوضع الداخلي كسدّ النهضة، خوفاً من تجاوزات في الألفاظ قد تُسبّب ضعفاً في الموقف المصري! لكن اللافت أن النظام لا يجد من يدافع عنه مجاناً، فحتى مؤيدوه باتوا يطلبون أموالاً مقابل ظهورهم على شاشته والحديث عن إنجازاته. تكشف مصادر أن المحامية أميرة بهي الدين تحصل على ألفَي جنيه مقابل ظهورها على الشاشة، والأمر نفسه ينسحب على الإعلامي المعادي لـ«الإخوان» يوسف الحسيني الذي عاد إلى الظهور على القنوات مع أنه كان قد أُقصي منها على خلفية انتقادات لقرارات أصدرها عبد الفتاح السيسي قبل نحو عامين، علماً بأن مرتبه كان قد وصل إلى مئات آلاف الجنيهات شهرياً. ويحاول الحسيني تطعيم خطابه بشيء من العقلانية، إذ يتحدث مثلاً عن «محاكمة المرحَّلين في بلادهم بعد توقيفهم في ميدان التحرير والقبض عليهم أثناء التحضير للتظاهرات» (السلطات في الأردن والسودان أفرجت عنهم فور وصولهم إليها)، بينما يروّج الحقوقي حافظ أبو سعدة لقوانين لا تُطبّق، وخاصة أنه يطمح إلى تولي منصب «رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان» قريباً.

لم يَسْلم مؤيّدو الرئيس من مزاج مدير مكتب كامل، المتحكّم الأكبر بالإعلام


بالتوازي مع ذلك، يستمرّ تأثير الخلافات والعلاقات الشخصية في تحديد من يتحدث ومتى وأين، فشعبان يدير المنظومة بمفرده تقريباً، ويُقصي حتى مؤيدي الرئيس الذين لا يتقربون منه، أو يتأخرون في تنفيذ تعليماته، وهو أبعد كثيرين على هذه الخلفية في الشهور الماضية، بل وصل الأمر إلى حظر مؤيدين ومنعهم من الظهور مطلقاً في سابقة غريبة. أيضاً، يدور حديث في أوساط النظام عن أن مليارات الإعلام هي الأخرى مهدورة حتى بمقاييس التأييد، بعدما وُضعت في يد شخصين فقط، يتحركان من دون أسس واضحة، وخلفيتهما العسكرية تجعلهما يتعاملان مع الإعلام بمنطق الأوامر التي يجب أن تطاع، والتي وصلت إلى حدّ تكليف الجهات الأمنية إجبار المقاهي على ألا تُشغّل أيّاً من القنوات التي تبثّ من الخارج.
ولا يبدو أن مدير مكتب كامل يستفيد من خبرة المدير السابق للملف، فبدلاً من الردّ على المعلومات المسرّبة من المعارضة، لا تزال تَصدُر الأوامر بالهجوم على تركيا وقطر و«الإخوان» بأسلوب يجعل مَن يشاهد الإعلام المصري يعتقد بأن الرئيس التركي سيرحل غداً، وأن قطر ستختفي من على الخريطة خلال ساعات. «استراتيجيةٌ» قد تفضي تداعياتها السلبية إلى إلحاق شعبان بسلفه، مدير المخابرات العامة السابق اللواء خالد فوزي، الذي كان قد أقيل على نحو غامض، وقيل إنه تحت الإقامة الجبرية بسبب وقائع الفساد في ملف الإعلام، وذلك في ذروة الخلاف بين المخابرات الحربية (اللواء كامل والضابط شعبان)، والمخابرات العامة (فوزي). تلك كانت نهاية فوزي بدعوى اتهامات بالفساد المالي، فهل سيواجه شعبان المصير نفسه تحت عنوان الفشل... أو غيره؟