يتندّر كثيرون على أحوالهم الحياتية، فيقولون، بالعامّية مثلاً، عن «المعاش» بأنه «ما... عاش»، أو لم يعش ليشهد نهاية الشهر. ولدى التدقيق اللغوي في معنى «المعاش»، يتبين أن الوصف العامي المطلق عليه لم يظلمه. فالشرح المعجمي وضعه في إطار محدد، وهو «ما يكفي لسد الرمق». ولكن، كيف إذا كان «سد الرمق» تحدياً فيما متطلبات الحياة المتزايدة والنزعة الاستهلاكية السائدة كلها تصعّب عملية الادخار التي قد تساعدنا على تحقيق رغباتنا وتلبية احتياجاتنا؟ من هنا تبدأ قصة الاقتراض.

كثر يخافون الاقتراض ويحذّرون منه ومن مخاطره. لكن، في الواقع، الاقتراض في حدّ ذاته ليس خطراً، إذ إنه مرتبط بشخصية المقترض ومدى وعيه وثقافته وإدراكه لحاجته للقرض وقدرته على سداده، آخذاً في الاعتبار نسب الفائدة ومدة التسديد وما إذا كانت أوضاعه المالية الحالية والمستقبلية تسمح له بالتكيّف معها من دون أن يتعثر. علماً أن المصارف في لبنان تساعد الزبائن على تحديد قدراتهم المالية وإمكانية تحمّل كلفة القرض. لكن، يبقى التهور جائزاً، وهو غالباً ما تنتج عنه أكلاف كبيرة، اقتصادياً واجتماعياً وصحياً وعاطفياً.

انعدام الوعي والتخطيط والدراسة الدقيقة لمدى الحاجة للاقتراض قد يودي بنا إلى حفرة نكون قد حفرناها لأنفسنا

الاقتراض غير المدروس

الاقتراض قد يكون الحل الأمثل والأسهل والأسرع لتحقيق رغبات أي شخص ومعالجة النقص في السيولة التي يمكن أن تعترض كثيرين منا، في ظل غلاء المعيشة وتكاثر الاحتياجات، الضروري منها والثانوي. لكن انعدام الوعي والتخطيط والدراسة الدقيقة لمدى الحاجة للاقتراض قد يودي بنا إلى حفرة نكون قد حفرناها لأنفسنا وقابلة لأن تزداد عمقاً مع مرور الأيام.
والانشغال في المسائل المالية والهموم التي قد تنتج من الدّين تؤثر سلباً في النواحي الصحية والعاطفية لمن لا يقدر على التعامل معها.

ما قبل القرض

لذلك، قبل أن يساعدك المصرف، عليك أن تساعد نفسك، لأن الندم قد لا يفيدك في مواضع كهذه...
1 ــــ حدّد الهدف من الاقتراض
تختلف الاحتياجات بين شخص وآخر، وما قد يشكل أولوية للبعض قد يعتبر أمراً ثانوياً لآخرين. لذلك، لا يوجد معيار شفّاف وصريح يحدّد الموجبات الأساسية التي يجب أن تدفعك إلى الاقتراض. لكن المعيار المنطقي هو الحكم في هذه الحال، حيث يفترض بك تقدير مدى حاجتك للقرض، وهل هو أولوية؟ ترتيب أولوياتك هو الحجر الأساس قبل طلب القرض، والمسألة ليست سهلة، لأن بعض الرغبات الآنية قد تسيطر على تفكيرنا لفترة معينة حتى تبدو أنها ضرورية... من دون أن تكون كذلك فعلياً.
قبل الاقتراض فكّر بعمق، وحاول الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل حاجاتي ضرورية إلى الحد الذي يجب أن أقترض لتلبيتها؟ ثم تأكد إن كانت هنالك وسيلة أخرى تساعدك في ذلك غير الاقتراض.
2 ــــ حدد القرض وكلفته
قبل الغوص في تفاصيل الإجراءات وما يترتب عليك توفيره من أوراق ومستندات، يفترض بك إلقاء نظرة شاملة على العروض التي تقدمها المصارف للقرض نفسه، ومقارنة أسعار الفائدة والرسوم، والمدة الزمنية المقترحة لتسديد القرض وحجمه، لتختار ما يناسبك والأقرب إلى طموحاتك وقدراتك المالية.
فأسعار الفائدة، مثلاً، تختلف من قرضٍ إلى آخر، وهي عموماً تتغير بحسب مدة السداد. فكلما كانت مدة السداد أطول زادت الفائدة، وكلما كانت أقصر انخفضت.
ولا تخجل من السؤال، فموظفو المصرف في خدمتك. وكلما كنت مدركاً ومتأكداً من خطوتك، كان المصرف مرتاحاً في التعامل معك.
3 ــــ حدّد قدرتك على السداد
حصر تدفقاتك النقدية الوافدة والخارجة أمر أساسي ولا يمكن تخطيه عند التفكير في الاقتراض. فعملية التحديد تساعدك على معرفة قدراتك المالية، وبالتالي إمكانية تسديد القرض عبر دفعات شهرية. فالاقتراض ليس بالأمر البسيط، خصوصاً أنه يتطلب مثابرة ومجهوداً، وهو قد يمتد لسنوات بحسب القرض الذي تختاره وفترة السداد التي تناسبك. من هنا، أهمية الموازنة التي تضع الأطر العامة للاستراتيجية المالية التي يفترض بك اتباعها والتي تحميك من أيّ مخاطرة أو خطوة غير محسوبة قد تؤثر في التزامك تسديد أقساط القرض.
4 ــــ لا تستخفّ
ماذا بعد الحصول على القرض؟ هذا هو السؤال الجوهري. فما قبل القرض ليس كما بعده. لذلك يفترض بك التحلي بالمسؤولية المالية وعدم الاستهتار بالخطوة التي أقدمت عليها. تسديد الأقساط في وقتها يحافظ على نظافة سجلك المصرفي. أما التخلف عن السداد أو الامتناع لفترة طويلة فيؤثر سلباً في سجلك، وقد يؤدي إلى منعك من الاقتراض مستقبلاً، إضافة إلى الإجراءات القانونية التي قد تتخذ ضدك.