رغم كل التطور العلمي الحاصل في مجال الفيزياء وعلم الفلك، إلا أننا لسنا سوى في بدايات البحث حول ماهية هذه المادة المظلمة وخصائصها وتفاعلاتها الفيزيائية، لا بل إننا لا نزال في مرحلة التأكد من حقيقة وجودها المفترض أنه يشكل 95% من الكون.


ولتوضيح الصورة أكثر، تشير آخر الدراسات الفلكية المثبتة إلى وجود مئات مليارات المجرات التي تحوي كل منها مئات مليارات النجوم، وتوجد حولها كواكب وأقمار عديدة، بالإضافة إلى مليارات الثقوب السوداء. وكل هذه المادة مجتمعة لا تشكل سوى 5% من الكتلة المفترض وجودها لتفسير عدة خصائص مرتبطة بالجاذبية في الكون، منها على سبيل المثال حركة المجرات وسرعة دورانها والطاقة الحركية الموجود فيها.

رصد الطاقة

وبسبب عدم التطابق بين المادة المثبت وجودها وبين خصائصها الجاذبية المتوقعة، كان العلماء أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما الافتراض بأن النظريات السائدة حول الجاذبية اليوم والتي بدأت مع ميكانيك نيوتن واكتملت مع نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين هي نظريات قاصرة على المستوى الكوني وبحاجة إلى التطوير والتعديل، أو افتراض وجود كمية كبيرة من المادة غير المرئية والتي من خلالها يمكن تفسير المشاهدات الجاذبية. وبما أن نظريات الجاذبية المعروفة أعطت نجاحات كبيرة في تفسير كل الظواهر المرئية الأخرى، بدءاً من حركة الكواكب وصولاً إلى الثقوب السوداء وموجات الجاذبية وغيرها من الظواهر المهمة، وبما أنه لا توجد أية ثُغَر مثبتة في هذه النظرية المكتملة إلى حد بعيد، كان من الطبيعي والمنطقي اعتماد الفرضية الأخرى حول وجود مادة غير مرئية ولا تتفاعل مع كل الحقول الكهرومغناطيسية، ما يجعلها غير قابلة للقياس المباشر أيضاً. لذلك تعتبر الفرضية السائدة اليوم أن الكون مليء بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة التي تفرض علينا ابتداع طرق معقولة لرصدها وإثبات وجودها (أو عدمه) وهو ما يعمل عليه علم الكون الحديث.


توصل العلماء إلى طريقة
جديدة قد تنجح في رصد جزيئات المادة المظلمة


ولإثبات وجود هذه المادة المظلمة، توجد عدة طرق مباشرة وغير مباشرة، وأهمها رصد الطاقة التي تبثها نتيجة تفاعلها مع نواة المادة العادية من خلال التفاعلات النووية الضعيفة أو رصد إشعاعات "غاما" (Gamma) التي تصدرها خلال اندثارها. إلا أن ذلك دونه صعوبات بسبب وجود إشعاعات كونية أخرى متداخلة يصعب فصلها أو التمييز بينها، ولذلك تجرى هذه الاختبارات تحت سطح الأرض لعزل التأثيرات الخارجية، لكن من دون نجاحات حتى اليوم. كما يمكن استعمال "مصادم الجزيئات" الذي يقوم بتسريع الجزيئات إلى سرعات هائلة تقارب سرعة الضوء وصدمها بغية استيلاد تفاعلات تؤدي إلى خلق جزيئات أخرى ذات خصائص وأوزان وطاقات مختلفة، ومنها جزيئات المادة المظلمة في حالات معينة. إلا أن ذلك أيضاً يبقى بعيد المنال وفق التقنيات والمعرفة العلمية المتوفرة لدينا حالياً. وتعتبر كل هذه الطرق احتمالات مستقبلية واردة لدراسة المادة المظلمة.

طرق جديدة مبتكرة

خلال الشهر الماضي توصل العلماء إلى طريقة جديدة قد تنجح في رصد جزيئات المادة المظلمة. تعتمد هذه الطريقة على التأثيرات التي تنشأ من تصادم جزيء من المادة المظلمة مع نواة ذرات معينة معدلة بحيث تدور "إلكتروناتها" على مسافات أبعد بأربعة آلاف مرة من الإلكترونات في وضعها العادي، ما يجعلها شديدة التحسس من حركة نواتها في الوسط. وبفضل تطور تقنيات الليزر، من الممكن اليوم إنتاج هكذا ذرات في المختبرات العلمية. وبالتالي، عند اصطدام جزيء من المادة المظلمة بالنواة يقوم بنقل كمية من الطاقة إليها، تماماً كما يحصل عند اصطدام كرة بكرة أخرى. تتأثر الإلكترونات البعيدة باهتزاز نواتها نتيجة التصادم، فتنتقل إليها تأثيرات التفاعل وتطلق كمية من الطاقة تسمح بقياس خصائص الجزيء المظلم المصطدم بالنواة. أي أنه يسمح بدراسة خصائص المادة المظلمة بشكل أسهل بكثير من التقنيات الأخرى، والأهم أن هذه الذرات المعدلة تسمح بتفادي تأثيرات الإشعاعات الكونية المتنوعة التي تعيق الاختبارات الأخرى. يعمل العلماء اليوم على إتقان الطريقة الجديدة والبدء باختبارات قد تؤدي إلى نجاحات في تحديد هوية المادة الغامضة المجهولة والمشكلة لمعظم الكون. كذلك يمكن اعتماد التقنية نفسها في رصد موجات الجاذبية التي تتوقعها نظرية النسبية العامة والتي تم التأكد من وجودها في اختبارات أخرى مختلفة.

تفسيرات أخرى؟

توجد بعض النظريات التي تفسر الظواهر الجاذبية الزائدة في الكون وفق شروحات أخرى تبدو أقل إقناعاً؛ منها ما هو مرتبط بوجود أبعاد إضافية في الكون، أو وجود اختلالات طوبولوجية (topological defects) في بنية الكون أو عبر نظريات جاذبية معدلة تتجاوز نظرية النسبية العامة المعتمدة حالياً. إلا أن كل هذه التفسيرات تفتقر إلى الإثباتات أيضاً، ويوجد حولها الكثير من الآراء النقدية، ما يجعلها أقل اعتماداً في تفسير الخصائص الجاذبية للكون.
ليس غريباً أن تتم دراسة الكون الهائل الفسيح من خلال تفاعل الجزيئات المتناهية الصغر، إذ تعود تفسيرات كل الظاهرات الكونية إلى خصائص مكوناتها الجزيئية، بالإضافة إلى قوة الجاذبية، واللتين تحبكان معاً بنية الكون الذي نعيش فيه.