«المياه ملك عمومي، ولا يمكن أن يكون موضوع تملك خاص». هذا ما نصت عليه المادة الأولى من القانون رقم 95-10 المتعلق بالمياه في المغرب. صدر هذا القانون في آب من عام 1995، أي بعد مرور أشهر قليلة على ميلاد المنظمة العالمية للتجارة بمراكش في كانون الثاني من العام نفسه، والمصادقة على الاتفاق العام حول تجارة الخدمات الذي يحثّ الدول على تحويل الخدمات العمومية ومنها توزيع المياه الصالحة للشرب من القطاع العمومي إلى شركات متعددة الجنسيات.


ويبدو أن الحاكمين بالمغرب التزموا أكثر بتوصيات منظمة التجارة العالمية وجعلوا من الثروة المائية ببلدنا ملكاً خاصاً للرأسماليين الأجانب والمحليين الذين استنزفوها ولوثوها لتنمية أرباحهم الخاصة على حساب الفئات الشعبية المُفقرة في المدن والقرى. وها هم الآن يحاولون حجب مسؤوليتهم في تدميرها ويلقون باللوم على الجفاف والتغيرات المناخية، ووضعوا خططاً لمواجهة ندرة المياه عبارة عن ورش جديدة للرأسمال الخاص، مسنودة باستثمارات عمومية باهظة. كما يسعون من خلال استقبالهم مؤتمر الأطراف حول المناخ لعرض خططهم الاستثمارية في مجال البيئة وتدبير الموارد المائية أمام المقاولات تحت عنوان مشاريع «التنمية الخضراء» التي تتم هندستها من قبل المؤسسات الدولية. وتتداول هذه الإملاءات الأجنبية مؤسسات عليا تدلي بتوصياتها للوزارات المعنية لتجسدها في برامج جاهزة.


العاقورة التي تشكل 1% من مساحة لبنان تدخل نظام الحمى

فقد أعدّت الوزارة المنتدبة المكلفة بالمياه خطة وطنية للمياه تحدّد سياسة الدولة في تدبير الموارد المائية والإجراءات التي ستتخذها حتى مطلع عام 2030. كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أعد في آذار من عام 2015 تقريراً حول ما سماه «الحكامة» في تدبير الموارد المائية بالمغرب وضمنه توصياته. وسبق لمنظمة التغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن نشرت قبل ذلك تقريراً حول تدبير المياه بالمغرب في علاقة مع ما سمته بالأمن الغذائي وقدمت فيه توجيهات عامة. وفي نفس السياق، نشر البنك العالمي أرقاماً عن أزمة المياه في العالم العربي.
استنزاف واستثمارات ومديونية
يبلغ حجم الموارد المائية بالمغرب 22 مليار متر مكعب، منها 18 مليار متر مكعب من المياه السطحية و4 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية (الآبار). وتبلغ الحصة الفعلية المعبّأة منها 10 مليارات متر مكعب في السنة بالنسبة إلى الأولى، و3,5 مليار متر مكعب بالنسبة إلى الثانية، أي ما مجموعه 13,5 مليار متر مكعب في السنة تمتص منه الزراعة حوالى 90%. ولا يتجاوز الاستهلاك اليومي للمياه الصالحة للشرب 70 لتراً في اليوم للفرد الواحد، مع تباين بين الوسط الحضري والقروي، مقابل متوسط عالمي يبلغ 140 لتراً (250 لتراً إلى 600 لتر في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية). ويجب الأخذ بعين الاعتبار التباين الكبير أيضاً بين الحصة الكبيرة التي تستحوذ عليها الأقلية الغنية وتلك التي تقتسمها الأغلبية الفقيرة ومتوسطة الدخل. ومع تزايد السكان، وتوالي سنوات الجفاف نتيجة التقلبات المناخية التي أحدثها النمط الإنتاجي الرأسمالي المدمر للبيئة، وتبني المغرب الاستراتيجيات القطاعية (السياحة والصناعة والزراعة) لتشجيع الاستثمارات الخاصة وما تتطلبه من موارد مائية، ستزداد الحاجيات إلى المياه الصالحة للشرب بشكل كبير. وسيؤدي هذا إلى تقوية الضغط على المياه الجوفية واستنزافها، حيث تفوق الكميات المستغلة بشكل كبير الكميات المتجددة بما مقداره 800 مليون متر مكعب في السنة، وقُدِّر معدل انخفاض مستويات الآبار بـ 2 متر في السنة.
يرتكز المخطط الوطني للمياه إلى مواصلة بناء السدود الكبرى وتهيئة المدارات الفلاحية المرتبطة بها، وإنجاز السدود المتوسطة والصغرى، وإنجاز مشروع تحويل المياه من أحواض الشمال الغربي إلى أحواض الوسط الغربي من أجل تقليص الشحّ المحتمل بهذه الأخيرة، وكذلك اللجوء إلى الموارد المائية غير الاعتيادية كتحلية مياه البحر.
وتُقدّر الكلفة الإجمالية للمخطط الوطني للمياه بــ 220 مليار درهم، منها 41% موجهة إلى تدبير الطلب على الماء و21% لبناء السدود و13% لتحويل المياه و9% لمكافحة الفيضانات و9% لحماية هذه الموارد و7% لتحلية مياه البحر. هذه التكاليف الباهظة تستدعي استثمارات عمومية ستزيد من المديونية العمومية، وتفتح مجالات جديدة لمستثمرين أجانب ومحليين سيحصلون على مشاريع مثمرة وغالباً ما تكون جدواها التقنية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية ناقصة جداً مقارنة مع هول الاعتمادات المالية المرصودة لها.
المياه كسلعة في يد الرأسمال الخاص
منذ بداية الألفية، حاول البنك العالمي إدخال الجانب البيئي في السياسات التي يمليها على الدولة المغربية، وتأطير الدراسات التحليلية التقنية حول البيئة بتكاليف باهظة على حساب الميزانية العمومية، ومنحه قرضاً من 600 مليون دولار على مرحلتين (2013 و2015) خاصاً بــ «التنمية الخضراء». كما دعم مخطط المغرب الأخضر بقرض من 150 مليون دولار في عام 2015 خاص بتحديث السقي. ويحثّ البنك العالمي في برامجه التمويلية على توفير شروط الاستثمار الخاص من خلال ملاءمة القوانين التشريعية مع متطلبات الرأسمال العالمي. هكذا صدر قانون التدبير المفوض للمرافق العامة (2006) الذي يعني خصخصة توزيع المياه والكهرباء وجمع النفايات المنزلية الصلبة، وأيضاً توزيع الماء بالمساحات الزراعية المروية وغيرها. وتسيطر أربع شركات خاصة هي ليديك التابعة لسويز ليونيز دوزو، وكل من ريضال، وأمانديس- طنجة، وأمانديس- تطوان التابعة لفيوليا على 36% من توزيع المياه الصالحة للشرب والتطهير السائل في المجال الحضري وتحقق أرباحاً صافية هائلة. ومن بين التأثيرات المباشرة ارتفاع فواتير استهلاك المياه والكهرباء وتردي جودتهما.
هكذا، فالتدبير المفوض لتوزيع المياه الصالحة للشرب والكهرباء وغيرها من الخدمات العمومية ليس سوى خصخصة/ تسليع للخدمات العمومية من خلال تنفيذ ما يسمى بالاتفاق العام حول تجارة الخدمات (AGCS) وفق مقتضيات منظمة التجارة العالمية التي ينتمي إليها المغرب. كما يندرج في الإطار العام لسياسة الخصخصة التي تستهدف كل ما هو مربح في القطاعات العمومية لمنحه للرأسمال الخاص. وليس أدلّ على ذلك سوى الاتفاق الجديد حول تجارة الخدمات التي لا تزال في طور المفاوضات بشكل سري في إطار منظمة التجارة العالمية، وقد سرب موقع «ويكيليكس» بعض وثائقه في نيسان من عام 2014. ويطمح هذا الاتفاق إلى الحد الأقصى مما يمكن من الحواجز التي تعرقل استثمارات الشركات المتعددة الجنسيات في مجال الخدمات. كما يسعى أيضاً للاستحواذ على قطاعات جديدة كالنقل البحري، وتقنيات الإعلام والتواصل، والتجارة، والإعلاميات، والخدمات المالية، والاحتكارات العمومية، علاوة عن الصحة والتعليم.
السيطرة على المنابع الطبيعية أيضاً
تسيطر شركة أولماس سيدي علي التي تملكها رئيسة نقابة أرباب العمل بالمغرب على الثروات المائية بقرية تارميلات (جنوب شرق الرباط تبعد عنها بــ 160 كلم) وتبيع مياهاً معدنية طبيعية ساكنة (سيدي علي)، ومياه معدنية طبيعية فوارة (أولماس)، ومياه معالجة ساكنة (باهية). وتهيمن على نحو 60% من سوق المياه المعبأة التي يبلغ إجمالي إيراداتها السنوية 450 مليون درهم أي ما يعادل 39 مليون دولار. وقد اشتهرت هذه الشركة بهجوماتها العنيفة والمتكررة منذ بداية 2000 ضد عمالها الذين يناضلون ضد الاستغلال المفرط ومن أجل حقوقهم النقابية ومطالبهم، وضد ساكنة القرية بنسائها وشيوخها وأطفالها الذين يعانون من غياب البنيات التحتية الأساسية في الوقت الذي تسرق فيهم ثرواتهم المائية الطبيعية وأراضيهم من طرف رأسمال جشع. وهذا ليس إلا نموذجاً.
من أجل إعادة تملّك مواطني
ترتبط مسألة الثروات المائية بخيارات سياسية واجتماعية وبيئية. وترتكز البدائل التي ندافع عنها في جمعية أطاك المغرب إلى منطق التشريك الجماعي ضد المنطق التجاري الذي يرتكز إلى الربح الرأسمالي الخاص. فنحن نطالب بإعادة تملّك مواطني وديمقراطي لتدبير المياه. ويستمد هذا المطلب شرعيته من نضالات الفئات الشعبية في عدد من مناطق المغرب من أجل الحفاظ على المياه كملك عمومي ضد التسليع.
ليس دفاعنا عن المرفق العمومي دفاعاً عن القطاع العام ضد القطاع الخاص، بل دفاعاً عن تغطية شاملة وعمومية للحاجيات الاجتماعية لكامل الشعب المغربي. فالقطاع العام في ظل الاستبداد السياسي الحالي ما هو إلا مرتع للنهب والفساد. وبالتالي، فدفاعنا عن السياسات العمومية في تدبير الموارد المائية يرتبط أوثق الارتباط بمطالبنا الديمقراطية التي ترتكز إلى إشراك الشعب في تحديد مصيره بنفسه، وبالتالي، وضع حدّ لتبعيته إزاء مؤسسات الرأسمال العالمي (البنك العالمي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية...).
*كاتب عام جمعية أطاك المغرب