الارتفاع المتزايد في عدد المنح الدراسية للاجئين السوريين لم يترجم ازدياداً في نسب الالتحاق بالتعليم العالي في لبنان، فبعدما كانت النسبة قد وصلت إلى 26% قبيل الحرب في الجامعات السورية، انخفضت بعد اللجوء إلى ما يقارب2.57% في الأردن، و4.5 % في تركيا، و0.57 % في إقليم كردستان في العراق.

أما في لبنان، فقد التحق نحو 6 % فقط من السوريين الذين تبلغ أعمارهم بين 18 و24 عاماً، بالتعليم العالي، فمن أصل 101,892 ألف لاجئ في هذه السن، تسجل 7072 طالباً في الجامعات في العام الدراسي 2014 ــــ 2015 وانخفض العدد إلى 5860 طالباً في عام 2015 ــــ 2016.

في الواقع، إن الطلاب المحتملين للتعليم العالي من اللاجئين هم في كثير من الأحيان من يعيلون أسرهم، ويواجهون حالة من عدم اليقين بشأن توظيفهم بعد التخرج في بلد اللجوء.
كذلك فإنّ الوضع القانوني للاجئين واشتراط حصولهم على إقامة سارية المفعول واعتراف البلدان المضيفة بالدرجات والشهادات الأكاديمية عوامل تحدّ هي الأخرى من قدرتهم على الالتحاق بالجامعات، فلا يستطيع اللاجئ السوري في لبنان الحصول على معادلة للشهادة الثانوية، والتي تخوله الدخول الى إحدى الجامعات المحلية، من دون الحصول على الإقامة. فاللاجئون يصارعون، بل يقعون أسرى لابتزاز سوق سوداء يضطرون فيها لدفع مئات الدولارات لمجرد الحصول على نسخ مصدقة من شهاداتهم ونسخ طبق الأصل من تلك الشهادات، والتي تطلبها بعض البلدان المضيفة والمؤسسات المحلية، ومنها لبنان. وعلى هذا النحو، يتخلى العديد من اللاجئين الشباب عن حلم الحصول على التعليم الجامعي.
للوقوف على الوضع الحالي لوصول اللاجئين السوريين إلى التعليم الجامعي في الدول المضيفة في لبنان والأردن وتركيا وإقليم كردستان، وتقييم الثغر وفهم الأولويات والاحتياجات، أنجز معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، في آذار 2017، دراسة حالة في البلدان الأربعة بتكليف من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وشاركتُ شخصياً في الدراسة مع زميلتي رلى برجاوي، منسقة برامج في المعهد، وجنيفر ديكنايت، طالبة ماجستير في الجامعة الأميركية.
بدا في الملاحظات الأساسية أنّ لبنان لم يوقع على اتّفاقية اليونسكو للاعتراف بدراسات التعليم العالي وشهاداته ودرجاته العلمية، إلّا أنّه أبرم مع سوريا اتفاقاً يسمح بالاعتراف المتبادل لشهادات كلّ من التعليم الثانوي والجامعي. وبفضل هذه السياسات، التحق تاريخياً العديد من الطلاب السوريين بالجامعات اللبنانية.
وفي الأزمة الأخيرة، تمّ إسداء نصيحة للجامعات للعمل مع الطلاب السوريين وتسهيل وصولهم إلى التعليم الجامعي. وعلى الرغم من أنّ الإقامة مُلزمة للقبول الجامعي، أشار مشاركون من بعض الجامعات الخاصة إلى أنّهم لا يتابعون هذه الأمور، فالطلاب يحصلون على شهاداتهم حتّى من دون إظهار إثبات الإقامة.
وبالنسبة إلى التوظيف، يقول بعض الطلاب السوريين إن عملهم في بلد اللجوء دونه معوقات كثيرة، ففي لبنان مثلاً يمنعون من الانضمام إلى 25 نقابة مهنية، إذا أرادوا أن يبقوا أو يعملوا هنا بعد استكمال دراستهم.
ورغم تهافت منظمات وطنية ودولية على تقديم منح دراسية بهدف دعم الطلاب المؤهلين من اللاجئين السوريين، أظهرت النتائج بعض الفرص غير المقتنصة. بحسب الدراسة، لا تزال التوعية تشكّل مشكلة إذ لا يدرك العديد من الطلاب المؤهلين وجود المنح الدراسية أو أي دعم من شكل آخر.
إلاّ أنّ سبب الانقطاع قد يتعلق برأيي بشكل أساسي بهيكلية المؤسسات الجامعية التي تقدم للطلاب اللاجئين في العادة دراسة تقليدية في حين أنّه يمكنها التفكير بشكل مختلف من خلال إضافة وحدات للتنمية المهنية والمهارات الحياتية، لتشجيع اللاجئين على التصدي للعقبات، ودفعهم للاعتقاد بأن التعليم العالي يستحق حقاً هذا الجهد.
من الضروري تطوير الجامعات لتصبح مؤسسات متعددة الأبعاد، عبر إضافة طرق تدريس جديدة وممارسات تربوية ديناميكية لا يعود التركيز فيها منحصراً بالأستاذ، وإنما يلامس احتياجات المتعلم من خلال أساليب تعلم فاعلة وتفاعلية وتجريبية، حيث يتعلم الطالب من تلقاء نفسه أو من أقرانه. كذلك فالمطلوب تطوير شخصيات الطلاب اللاجئين لتشجيع فضولهم وإحساسهم بالمبادرة ومثابرتهم وقابليتهم على التكيف ووعيهم الأخلاقي ومنطقهم.
ويمكن لهذه التغييرات أن تمكّن الجامعات في أن تصبح أكثر قدرة على المنافسة في عصر يزداد فيه الطلب على التعليم العالي. كذلك فإنّ الاستثمار في تعليم اللاجئين السوريين من الشباب فرصة لتمكين هؤلاء السكان، وتزويدهم بوعي نقدي لاتخاذ القرارات الحكيمة، وأدوات لتحسين خيارات الحياة والأمل بالنسبة لهم ولغيرهم، وخصوصاً في بلد مضيف مثل لبنان. فتعليم اللاجئين السوريين يقدّم فرصة تطور للبنان بخلاف ما يعتقد البعض لجهة أنّ تعليم هؤلاء الشباب يزيد التنافس مع الشباب اللبناني. نعيش في عالم تتقلص فيه الحواجز ما يقدم فرصاً للبنانيين والسوريين للتطلع إلى فرص عمل في السوق المحلية، الإقليمية، لا بل والعالمية، من خلال التسلح بالعلم.
* أستاذة في كلية التربية في الجامعة الأميركية