بعد أكثر من سنة تعثر في إدارة الملفات البيئية، دخلت هذه الملفات على ما يبدو ضمن الحملات الانتخابية النيابية القادمة، من الآن وحتى الفترة الفاصلة ليوم الانتخاب. وقد بات اللبنانيون يعرفون معنى ذلك، أي اعتبار كل ما يقال أثناء الحملات الإعلامية خطابات لا يعوَّل على صدقيتها، أو مشاريع وإجراءات وقرارات لتمويل الانتخابات.


فما معنى البروتوكول المموَّل من بعض شركات الإسمنت خارج القوانين في هذا الوقت بالذات؟ وأي معنى لملف معالجة المكبات العشوائية الموجود على جدول أعمال مجلس الوزراء منذ الجلسة الأخيرة، إذا لم يكن هناك استراتيجية وخطة بعيدة المدى مانعة لتجدد الأزمات وزيادة عدد المكبات بدل معالجتها؟ وكيف يمكن تمويل خطط (إعادة تأهيل) تقترحها الوزارة، هي شبيهة بخطط الجمعيات الصغيرة حين كانت تقوم بحملات سنوية لتنظيف الشاطئ («حملة الأزرق الكبير» الشهيرة)، التي طالما كنا ننتقد رمزيتها السطحية، حتى أصبح أكثر من نصف نفايات لبنان على الشاطئ؟! مع العلم أن الدراسة المحدثة (المخطط التوجيهي المحدث عن دراسة عام 2011) التي تستند إليها وزارة البيئة والتي أوكلت وضعها إلى شركة «الأرض» عام 2016، والتي حددت المناطق (المكبات) المثيرة للقلق وتلك «ذات الأولوية»، لم تناقش معاييرها مع أحد، ولا طرق تحديد المواقع والأكلاف... إلخ، ولا نعرف بالتالي من يضمن استدامة الحلول المقترحة، وعدم تجدد أزمات إدارة الملف وزيادة حجم هذه المكبات وعددها مرة أخرى!
وما معنى أن تُعدّ وزارة البيئة لسلسلة مؤتمرات (أعلنّا عنها الجمعة الماضي) لفتح الحوار مع كافة الأطراف بعد أن تكون قد اتخذت القرارات الملزمة للبلاد على المدى القريب والبعيد؟! أما كان يفترض أن تسبق الحوارات والمشاورات عملية اتخاذ القرارات؟
تفتتح هذه المؤتمرات اليوم مع البلديات (بيروت وجبل لبنان فقط)، فما الذي تريد أن تساله أو تبلغه الوزارة لهذه البلديات بعد أن وسعت المطامر وسارت بخيار المحارق؟ هل تريد أن تترك الخيار لها، من يريد أن ينضم ومن يريد أن ينفصل عن الخطط المركزية؟ وبناءً على أي استراتيجية وقيم ومبادئ عادلة وواقعية فصلت بين المركزي واللامركزي إذا لم تكن (الوزارة) قد أنجزت استراتيجيتها بعد؟ وهل تعتقد الوزارة أنها المرة الأولى التي تحصل فيها مثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات؟!
وما معنى أن تكون الوزارة قد شكلت لجنة للإشراف على حسن تطبيق ملخص السياسة المستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة (فقط)، عقدت أول من أمس أول اجتماعاتها، بعد إقرار مجلس الوزراء هذه السياسة وليس قبلها؟! وما معنى المشاورات مع الوزارات المعنية والقطاعين الخاص والأهلي والبلدي… إذا كانت الحكومة قد اتخذت القرارات الاستراتيجية بشأن هذا الملف، إن كان عبر توسيع المطامر على الشاطئ، وقد تأجل طرح توسيع مكب برج حمود، (مؤقتاً لأسباب انتخابية)، أو عبر اتخاذ قرار في مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 11/1/2018 بالتشديد على «إطلاق مناقصة محارق النفايات (بالجملة) خلال 6 أشهر وتحديد المناطق»، وقد أُجِّل إعلان المناطق لتمرير فترة الانتخابات، مع توقع أن تحصل اعتراضات كبيرة في المواقع المختارة للمحارق؟!
لطالما حذرنا، من أن اقتراح «رؤية» أو «قانون» يسمح بكل التقنيات والحلول الواقعية والمتخيلة، لا يعني أن لدينا دولة واحدة ذات سيادة ولديها بعد نظر. فالمساواة بين النظر إلى النفايات باعتبارها موارد ذات قيمة حرارية (لتسويق المحارق أو وقود بديل لشركات الإسمنت) أو باعتبارها مواد قابلة لإعادة التصنيع، ليست منطقية، بل هي متناقضة ومتفجرة. فالخياران متناقضان ويأكلان من درب بعضهما ويسببان نزاعاً لا نهاية له؟ فالكرتون والبلاستيك اللذان تشتهيهما النار والمحارق، هما نفساهما ما تشتهيهما معامل إعادة التصنيع وجمعيات الجمع، وجماعة الفرز. لهذين الخيارين جمهورهما السياسي والشعبوي المندمج مع خلطة مصالح، قد تساهم بشكل أو بآخر بتمويل الحملات الانتخابية هذه الأيام. أما خيار التخفيف الذي يأكل من حصص الفريقين لمصلحة الخزينة (عبر الضريبة البيئية) ويخفف من حجم النفايات إلى أكثر من 40% من حجمها دون اللجوء إلى أي تكنولوجيا، فلن يجد له مناصريه ولا مرشحيه في هذه الجولة على ما يبدو للأسف.

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]