مع بدء الكلام على سلسلة الرتب والرواتب وإقرار غلاء المعيشة في القطاعين العام والخاص ابتداء من الأول من شباط 2012، تقاضت بعض المدارس الخاصة ما يعرف بـ «سلفة غلاء معيشة أو سلفة أي زيادة مرتقبة» في حال إقرار قانون السلسلة في المجلس النيابي. هذه السلفة على السلسلة يصنفها علم المحاسبة «مؤونة» للسلسلة، فماذا فعلت المدارس بالضبط؟
لجأت إدارات المدارس إلى زيادة الأقساط لتغطي في جزء منها غلاء المعيشة المقرة وتتراوح بين 205 آلاف ليرة لبنانية و307 آلاف وبمتوسط 275 ألفاً للمعلم الواحد، وتضاف إليها المؤونة المرتقبة وهي القيمة التي زادتها المدرسة على القسط نتيجة قرار غلاء المعيشة مطروح منها ما تقاضته من التلامذة كإضافة على القسط السنوي. كان من المفترض أن تتحول هذه المؤونة إلى حساب خاص تراكمي لحين إقرار السلسلة، فتغطي من هذا الحساب الزيادات التي تقرها السلسلة. في احتساب بسيط للأرقام، نرى أنّ غالبية المدارس رفعت أقساطها عند إقرار غلاء المعيشة عام 2012 بقيمة 500 ألف ليرة كمتوسط، في حين أن متوسط الزيادة لتغطية زيادات غلاء المعيشة يتراوح بين 200 ألف ليرة و250 ألفاً، بحسب عدد التلامذة في المدرسة، إذا اعتبرنا أن الموازنة المدرسية المقدمة صحيحة في الأساس ولا مبالغات في أعداد المعلمين.

لنفترض أن المدرسة تقاضت 500 ألف ليرة في حينه وأضافتها إلى الموازنة بشكل ثابت، ولنعتبر أن المؤونة لأي زيادة مرتقبة هي 250 ألف، ففي مدرسة تضم 750 تلميذاً يساوي المبلغ التراكمي السنوي 187 مليون ليرة، ليتراكم على مدى السنوات الخمس الماضية إلى أقل من مليار ليرة من دون احتساب الزيادات الأخرى التي لحقت بالأقساط خلال هذه الفترة.
المليار ليرة هذه هي فائض تراكمي من حق الأهل استعادته، وهي تغطي السلسلة مع الدرجات الست. ولكن كما نعلم جميعاً، فإن أغلب المدارس الخاصة كانت تزيد أقساطها خلال الفترة هذه سنوياً، وبعضها وصل إلى 70% ما بين 2012 و2017. وتعزو الإدارات ذلك إلى الدرجات العادية والساعات التناقصية. وفي حسابات بسيطة نكتشف ان متوسط زيادات الدرجات لا تتجاوز 60 ألف ليرة وتستحق لكل معلم مرة كل سنتين، أي أن نصف المعلمين يستحقونها سنوياً، وهي لا تتعدى 50 آلف ليرة زيادة على كل تلميذ سنوياً، بينما تتقاضى المدرسة سنوياً زيادات تحت مسمى الدرجات العادية تصل إلى مئات آلاف الليرات.
لتبرير هذه الزيادات وايجاد حلول محاسبية في إدارات المدارس التي تتلاعب بشكل مفضوح بموازناتها، تعمد الإدارة المالية فيها إلى زيادة المعلمين الوهميين فنراهم يضاعفون الأعداد إلى ضعف حاجة الصفوف الفعلية كما يسجلون موظفين إداريين واشخاص غير مقيمين على الأراضي اللبنانية كمعلمين، وهم لا يتقاضون الرواتب المدرجة في السلسلة. وسجلت اللجان المالية خلال دراستها للموازنات حالات عدة، كتسجيل موظف الاستقبال على بوابة المدرسة كمعلم وصار يتقاضى اليوم ــــ في السجلات ــــ اكثر من 3.5 مليون كراتب معلم بدأ عمله في المدرسة منذ 30 عاماً، وسيدة شبه أمية تساعد أولاد الحضانة مسجلة كمعلمة براتب عالٍ، وأكثر من حالة من غير المقيمين في لبنان ومسجلين كمعلمين، وحالات دوام جزئي مسجلة كدوام كامل في صندوق التعويضات وجداول المعلمين، وغيره من المخالفات التي ترفع من قيمة بدلات الرواتب والأجور. المفارقة أن هذه الفئة إما تكون متواطئة بالإكراه أو طوعاً في عمليات التزوير.


من حق الأهل استعادة الفائض التراكمي الذي قد
يصل إلى مليار ليرة
في بعض الحالات، لا تكتفي إدارات المدارس بمخالفة القوانين بل تعمد الى جني أرباح من الأهل على أسماء المسجلين ومن صندوق التعويضات، فالسيدة التي تعمل في الحضانة على سبيل المثال والتي تتقاضى مليون ليرة آخر كل شهر لا تعرف ان راتبها المسجل في الدوائر الرسمية وصندوق التعويضات هو 3.5 مليون، وانها بعد 30 سنة خدمة ستحصل على مبلغ كبير كتعويض نهاية الخدمة مع راتب تقاعدي. ستكتفي هذه السيدة، كونها تثق بإدارتها، بتوقيع وكالة عامة للإدارة المدرسية وأخذ 10 ملايين ليرة كمكافأة وهي مسرورة بما جنته وترحل بينما الإدارة، بموجب التوكيل، ستحصل على بضع مئات الملايين بعد سنوات الخدمة الطويلة.
إنه ذكاء اللبناني يظهر بقدرته على جني المال من أخيه المواطن اللبناني الضعيف والأقل «حربقة»، فيقول لنجني المال بإسم هذا الإنسان البسيط من إنسان بسيط آخر يدفع القسط المدرسي ولا يحسب ما يدفع. وما أصعب موقف لجان الأهل واللجان المالية فيها الذين يوقعون على موازنات من دون أن يدققوا بكل التفاصيل، فالعيب ليس في السؤال والتدقيق وهذا حق مكفول بالقانون، بل العيب ان تحمّل مسؤولية توقيعك لمئات العائلات التي وثقت بقدراتك فتجعلها تدفع شقاها وحق ابنائها بالحياة الكريمة.
* باحث في التربية والفنون،
عضو الحملة الوطنية للجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة