لا لون لـ«ثورة» كييف هذه المرّة، ولا وقت لاختراع شعار موحّد. لم تُطبع القفازات الصوفية بألوان «الثورة» وتوزَّع على جماهير ساحة مايدن، ولم تُصنَع الأوشحة الخاصة بـ«الثوريين» ولم تؤمَّن المأكولات والمشروبات الى داخل الخيم. لا وقت ولا إمكانيات مادية لذلك. فوج «الثوار» لهذا الموسم لم يتلقّ تدريبات على «كيفية إسقاط النظام سلمياً»، بل تألّف بغالبيته من «بلطجية» اليمين المتطرّف و«شبّيحة» «الثورة البرتقالية» السابقة (2004).


تدرك أوروبا وأميركا جيداً أن «السلمية» لن تحقق مرادهما هذه المرة، وأنه لا يمكن استعادة التجربة البرتقالية بنجاح الآن، فهما مفلستان، والأهمّ أن الوقت يدهمهما. لماذا؟ لأن فصل الربيع بات على الأبواب، وهو هذا العام ربيعٌ روسي يتسبب بحساسية مزعجة للقارتين المريضتين اقتصادياً.
الحساسية الروسية الموجعة تلك سببها اقتراب موعد إطلاق أحد أكبر مشاريع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الإقليمية. مشروعٌ يقوم على إنشاء «اتحاد أوراسي» موسّع على غرار «الاتحاد الأوروبي»، من المفترض أن يضمّ الى جانب روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا كلاً من أرمينيا وقيرغيزستان و... أوكرانيا. مشروع ضخم اتفق على توقيع أولى معاهدات توسّعه خلال ربيع هذا العام (أي في الأسابيع والأشهر المقبلة) على أن يطلق رسمياً في اليوم الأول من عام 2015.
فكرة جمع الدول الأوروبية والآسيوية التي كان يجمعها الاتحاد السوفياتي سابقاً في اتحاد جديد يضمن اتفاقيات اقتصادية وسياسية وأمنية مشتركة وتبادل مصالح وتطوير قطاعات، هي من أبرز طموحات الرئيس بوتين منذ تولّيه السلطة، والتي لاقت ترحيباً من معظم الدول المعنيّة. وقد شهد الاتحاد ولادة نواته الأولى (بين روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا) عام 2010، ما لبث أن تطور عام 2012 الى منطقة اقتصادية موحّدة بين تلك الدول.
المشروع الأوراسي المرتقب بقيادة روسية هو، بالطبع، أحد أكبر كوابيس «الاتحاد الأوروبي» الذي يخشى ظهور جسم قويّ قادر يحلّ محلّه أوروبياً ودولياً. هذا المشروع هو أيضاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة تهديد لمصالحها واستعادة لكابوسها ــ الأحمر ــ الأكبر أي التجربة السوفياتية. هكذا، في غمرة فشلهم الاقتصادي وتراجعهم السياسي، وجد الأوروبيون والأميركيون أنفسهم عاجزين عن إيقاف تقدّم مشروع أوراسي متين اقتصادياً، ومتفوق في الطاقة والأمن والثقافة، فلجأوا الى ما أتقنوه دائماً، أي خلق الفوضى وتنفيذ الانقلابات. وبما أن أوكرانيا هي إحدى أبرز الدول التي يخشى من انضمامها الى «الاتحاد الأوراسي» الجديد، وهي الكيان المؤلّف من أعراق وإثنيات عديدة وتشوبه انقسامات سياسية، وهي الساحة التاريخية لتوقيع التسويات بين الغرب وروسيا، كان الانقلاب الأوكراني الأخير الذي تبنّاه علناً كل من «الاتحاد الأوروبي» وواشنطن. لذلك كان «الانضمام الى الاتحاد الأوروبي» المطلب الأساسي وراء تحركات كييف هذه المرة، ألصق به لاحقاً، ولــ«ضرورات ثورية»، مطلب «الديموقراطية والتخلص من الحكم الديكتاتوري ومن الهيمنة الروسية».

الحملات الغربية السياسية والإعلامية
تفصيل توقيع معاهدة توسيع «الاتحاد الأوراسي» غاب عن معظم التحليلات السياسية الأميركية والفرنسية والبريطانية، لتركّز الحملات الإعلامية على «الثورة الواعدة» وعلى «قمع الشرطة الأوكرانية للمتظاهرين» وعلى «فساد الرئيس الأوكراني الديكتاتوري» وعلى «تبعية النظام الأوكراني لروسيا»... مرّة جديدة، اختصر الغرب كل أوكرانيا بكييف، وحوالى 45 مليون أوكراني بالمتظاهرين في ساحة مايدن. لم يحذّر أحد من داعمي «الثورة» الأوكرانية من أن المعارضة لا تملك أي مشروع سياسي بديل ولا تقدم أي خطة واضحة لقيادة البلاد في المستقبل.
وعندما قررت روسيا «الدفاع عن المواطنين من الروس ومن الناطقين بالروسية في شبه جزيرة القرم» وعن «مصالحها» هناك، كما أعلن مسؤولوها، انتقلت الحملات السياسية والإعلامية الغربية الى العزف على وتر «الحرب الأهلية» والتهويل بـ«التقسيم» وبـ«خرق بوتين للقوانين الدولية» و«اعتدائه على سيادة أوكرانيا». مقالات قليلة أشارت الى وجود عدد كبير من المواطنين الأوكرانيين ممن يؤيدون العلاقات المميزة مع روسيا وممن لا يرون أن الحكومة الحالية تمثّلهم، وصولاً الى ترحيب البعض بالتدخل الروسي العسكري في البلاد. أما عدسات بعض الكاميرات القليلة فلم تتمكّن من تجاهل لافتات علّقت بين مدينتي سيمفيروبول وسيباستوبول، تقول «حيث نوجد تكون روسيا» و«روسيا هي مقبرة الأفكار السيئة. لا يمكنك أن تنتصر عليها!».
مطلقو الحملة الانقلابية في أوكرانيا، المتضررون الأساسيون من المشروع الأوراسي، تجاهلوا نتيجة الانقلاب وتسلّم حكومة غير شرعية الحكم في أوكرانيا وخطورة تألّفها من مجموعات يمينية متطرفة ليست منتخبة من الشعب الأوكراني ولا تمثّل غالبيته. والأخطر أن الحكومة الأوكرانية الجديدة لا تملك أي مشروع اقتصادي أو سياسي مستقبلي تدير على أساسه البلاد. بعض الصحافيين لفتوا الى أن المسؤولين الأوكرانيين الجدد طالبوا حلفاءهم بـ 35 مليار دولار لتجنّب الانهيار الاقتصادي هذا العام، بعدما أوقفت روسيا مساعداتها الضخمة للبلاد، وهذه معضلة جديدة برسم الاتحاد الأوروبي المترهّل أصلاً.
أما التحرك الروسي في شبه جزيرة القرم، فقد هوّل به الأميركيون والأوروبيون، وطالبوا سريعاً بتدخّل دولي «لمنع وقوع حرب أهلية أو تقسيم»، علماً بأن المنطقة لم تشهد أي نزاع إثني أو أهلي منذ أكثر من 25 سنة. سياسياً، سارع الأوروبيون والأميركيون إلى المطالبة بوساطة دولية للتوصل الى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا. أما روسيا، فقد أقرّت بوجود مصالح عسكرية ومدنية لها في القرم، وأعلنت عزمها «الدفاع عنها» بالطرق المناسبة. ولم لم تغيّر مكالمة التسعين دقيقة الهاتفي بين الرئيس بوتين ونظيره باراك أوباما أي شيء منها حتى الآن.