غزة | عُلّقت الحرب، لكن آثارها القاسية لا تزال رازحة على الفلسطينيين في غزة ممن أنهكهم النزوح وقلة ذات اليد مع ثلاثين يوماً من المواجهات لم تخلق أزمة اقتصادية فحسب، بل دمرت الأمل بنهضة قريبة حتى عشر سنوات على الأقل وفق مراقبين. لم يكن ينقص الناجين من الموت سوى خطر انتشار الأمراض والأوبئة التي باتت تجتاح قطاع غزة، وخاصة بين العائلات النازحة التي تجمعت في مراكز الإيواء.


هذه المراكز التي لم تحمهم من غدر الطائرات الإسرائيلية أيضاً، لم تكن بيئة سليمة تحميهم من انتشار الأوبئة المعدية، وكالعادة كان نصيب القهر الأكبر على الأطفال والنساء الذين على قلة الدواء قد لا يجدون مكاناً للعلاج أمام آلاف الجرحى نتيجة العدوان، بل قد يخجل أحدهم من الذهاب إلى المستشفى لأنه مريض، فيما لا يجد المصابون مكاناً يرقدون فيه.
ومن بين السلام والاطمئنان إلى من بقي حياً يكثر الحديث والشكوى من المرض، وخاصة في المناطق التي بقيت فيها جثث الشهداء لأيام طويلة. ولعل مرض الجدري هو الأكثر انتشاراً بين النازحين، وتليه الأنفلونزا والتهاب اللوز اللذان يصاحبهما ارتفاع درجات الحرارة بصورة لافتة بين المصابين. وما إن تدخل إلى مدرسة إيواء حتى يكون عدد من الموجودين يحكّون أجسامهم بطريقة لافتة ومستمرة، إلى حد أن بعضهم تخرج الدماء من أيديهم وأقدامهم.
من الأهمية بمكان التنبيه إلى أن انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من أسبوع في عدة مناطق حال دون وصول المياه إلى تلك الأماكن، ما ترك الناجين من موت إسرائيل يصارعون الأمراض المعدية. سبب آخر يجب الإشارة إليه، هو توقف البلديات وجهات أخرى لها علاقة بقضايا النظافة عن العمل لمدة شهر في ظل الاستهداف الذي لم يسلم منه المسعفون أولاً.


رفض الاحتلال
طلبات دولية بترحيل القمامة خارج المدن


أم محمد هربت مع عائلتها المكونة من عشرة أفراد إلى مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وتقول إن جميعهم مصابون «بالجرب» أو الطفح الجلدي. وكانت الأم تخاطر بحياتها لنقل أطفالها إلى المستشفيات لمعالجتهم في الوقت الذي لا تستقبلهم فيه إلا بصعوبة، وخاصة مع حالة الطوارئ التي طبقتها وزارة الصحة.
وتقول أم محمد لـ«الأخبار»: «أولادي ما ماتوا من الحرب لكن رح يموتوا من الحمى والجرب... لا نستطيع معالجتهم ولا نمتلك الأموال لشراء الدواء»، لكنها لم تظهر أي عتاب على المستشفيات أو الأطباء هناك بعد ما رأت هول المكان.
أما جارتها في «الإيواء» وتدعى أمل، فهي لا تقتنع بهذا الوضع، مطالبة بضرورة فتح عيادات طوارئ داخل المدارس لمكافحة الآفة المنتشرة بين أطفالهم. وتقول لـ«الأخبار» : «الخدمات الطبية يجب أن تشمل شرائح المواطنين، فمن لا يقدر المستشفى على استقباله يمكن علاجه هنا، وخاصة أن وكالة الغوث لديها طواقم طبية، لكنها لا تعمل لعلاج إصابات الحرب».
في المقابل، راحت نازحة من عائلة العرعير تلوم الموجودين على ما أصابهم، والفوضى التي يعيشون فيها داخل مراكز الإيواء، مطالبة بتوفير النظافة للمكان الذي يقطنون فيه، لأن غياب ذلك ساعد على انتشار الأوبئة.
الناطق باسم وزارة الصحة، أشرف القدرة، أكد بدوره أن الأزمة لم تقتصر على النازحين «لكنها طاولت عدداً كبيراً من الناس، وخاصة مع استمرار أزمة الكهرباء والماء وانتشار القمامة في الشوارع التي تسهم في نقل العدوى إلى الأصحاء». وقال لـ«الأخبار»: «ما جرى حرب كاملة على الشعب الفلسطيني، وإسرائيل من البداية استهدفت كل شيء لإيصال الأذى إلى ما لم تطله آلاتها الحربية»، منبهاً إلى قنابل الغازات السامة التي أطلقها العدو في سماء غزة آخر أيام الحرب «والترجيح أنها كانت تنقل عدوى مرضية لم نحددها، لكن شهود العيان أخبرونا عن الرائحة الكريهة لتلك الغازات».
ولفت القدرة إلى أن الحالات المصابة قد تكون بالأنفلونزا أو احتقان باللوز، «والشائع الأكبر هو الجدري الذي يحتاج إلى مناخ معين لمعالجته، لكن لا يمكن ذلك في هذه المرحلة، ما يصعب علاج المرضى بسرعة»، دون تحديده الآثار الجانبية لاستمرار هذا الوضع وقتاً أكثر.
في سبيل الحل، حاولت الإغاثة الطبية تخفيف الأزمة بتسيير فرق طبية إلى مراكز الإيواء لمعالجة المرضى، لكن رئيس بلدية غزة، نزار حجازي، أكد لـ«الأخبار» أن النفايات سبب كبير في هذه الأزمة، موضحاً أن البلدية كانت ترحل النفايات قبل الحرب (يومياً من 600 إلى 700 طن) إلى خارج المدينة. واستدرك حجازي: «خلال الحرب كان العمل صعباً وخلال الهدنة قلت الكمية إلى 400 طن يومياً، في ظل تعرض الطواقم للاستهداف واستشهاد عدد منهم»، وهذا ما دعا إلى جمع القمامة داخل المدينة «بعد رفض إسرائيل طلبات الصليب الأحمر والأونروا بترحيلها».
وتتجمع تلال من القمامة في ساحة اليرموك وسط مدينة غزة، ويقدر حجازي حجمها بـ30 ألف طن، «وهو ما يعرض المدينة لكارثة صحية خطيرة إلى جانب انتشار الأوبئة والأمراض، وخاصة في حال اشتعال النيران فيها وتصاعد أعمدة الدخان في الهواء».
ولعل العدو كان يعلم نتائج هذه الأزمة، بدليل أنه كان يتعمد وصول النتائج إلى هذه الحالة، وخاصة مع ترحيل الناس من المناطق الحدودية إلى وسط المدينة. ومع دخول التهدئة حيز التنفيذ استنفرت البلدية طواقمها، لكن مهمتهم ليست هينة، وخاصة أنهم يعانون نقص المواد وتعطل عدد من مركبات النقل بعد استهدافها.
بالتوازي مع ذلك، فإن الناس منذ بداية الحرب يفتقدون مياه الشرب، كما تسير سيول من مياه الصرف الصحي في الشوارع إثر استهداف أكبر محطة صرف صحي غرب غزة، وهي محطة رقم 1 التي تحتوي على 20000 ليتر من مياه الصرف الصحي إضافة إلى استهداف محطة معالجة المياه، ما اضطر البلدية إلى تصريف تلك المياه نحو البحر الذي كان ملوثاً منذ البداية ومنعت السباحة فيه قبل الحرب.
وبدأت إسرائيل حربها على المياه بتدمير أكثر من ستة آبار مياه جوفية كلياً وأربعة بصورة شبه كلية فتضررت شبكات المياه في كل من حي التفاح والشجاعية والزيتون شرق غزة، وهو ما يجعل المياه منقطعة طوال أيام. أيضاً يعاني المواطنون من وصول مياه الشرب إلى بيوتهم بعد استهداف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، ما يضطرهم إلى ضخ المياه عن طريق المولدات الكهربائية التي لا تفي بالحاجة.
جراء هذا الوضع، حذرت منظمة «أوكسفام» للتنمية العالمية من أن مواطني غزة يواجهون أزمة صحية خطيرة برغم الهدنة الإنسانية التي أبرمت بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي «لأن القصف سبب دمار عشرات الآبار وخطوط الأنابيب والخزانات، وتلوث المياه العذبة». ونبهت إلى خطورة توقف محطات ضخ المياه بسبب نفاد الوقود.
ولفتت «أوكسفام» إلى أنها تعمل في بيئة بنيتها التحتية للمياه دمرت تماماً، «الأمر الذي منع المواطنين في غزة من الطبخ، واستعمال المراحيض، أو غسل اليدين، ما يعني أن مخاطر الصحة العامة الحالية ضخمة». وقال رئيس المنظمة في فلسطين، نيشانت باندي، إن «البنية التحتية في غزة قد تأخذ شهوراً أو سنوات حتى تتعافى تماماً».
على صعيد آخر، قالت رئيسة المكتب الميداني الذي تديره منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في غزة، بيرنيل ايرنسايد إن أكثر من 400 طفل استشهدوا خلال الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، وإن نحو 400 ألف آخرين أصيبوا بصدمة، ويواجهون مستقبلًا «قاتماً للغاية». وأضافت ايرنسايد خلال مؤتمر للأمم عقد في جنيف ونقل هاتفياً في غزة، أن «إعادة بناء حياة الأطفال ستكون جزءاً من جهد أكبر بكثير لإعادة بناء القطاع بمجرد أن يتوقف القتال بصفة دائمة».