باريس ــ لم تفاجئ الثورة المصرية أحداً سوى الذين يعتقدون بقدرة التحنيط على تأطير تأثير بلاد النيل على الأحداث. فقد غابت مصر عن منتدى دافوس الاقتصادي، في المدينة السويسريّة بالاسم نفسه، إلا أنها أثبتت أهميتها الاستراتيجية وتأثيرها على الاقتصاد ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط ،بل على المستوى العالمي. وبدا هذا التأثير جلياً من الاهتمام الذي توليه دوائر القرار في العالم للتطورات على أرض أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان.

وزراء خارجية أوروبا المجتمعون في لقائهم الشهري طالبوا بـ«انتقال منظّم للسلطة» رغم تردّد بريطاني وفرنسي في إظهار موقف يمكن تفسيره بأنه مناوئ لحسني مبارك... شريط الأخبار الواردة من واشنطن يفيد بأن السلطات الأميركية باتت واثقة من نهاية عهد وتطالب بـ«انتقال سلمي للسلطة»، حتى الأمين العام للجامعة العربية لم يتردد بالمطالبة بتداول للسلطة.
إلا أن كل هذا لم ينفع في طمأنة الأسواق العالمية ،ولا دور التقويم للاقتصاد المصري «المصنف ثانياً في أفريقيا». فسعر برميل النفط الخام تجاوز حاجز الـ100 دولار أوّل من أمس، وبقي فوق هذه العتبة النفسيّة في التداولات في بورصة لندن في جلسة أمس، فيما كانت المسيرة المليونيّة في شوارع مصر الغاضبة تأخذ مداها.
كذلك سجّلت بورصة نيويورك تراجعاً لم تشهده منذ شهرين ولحقت بها أبرز البورصات الأوروبية لتسجّل تراجعاً قدره 1%، يُعزى، بحسب المحللين إلى «الوضع في بلاد النيل». وفي آسيا أيضاً سجل مؤشر نيكي الياباني تراجعاً بالمعدّل نفسه، في ردّ فعل على إعلان طوكيو إرسال عدد من الطائرات لإعادة مواطنيها المحتجزين في مطار القاهرة، وإعلان عدد من الشركات اليابانيّة الكبرى «وقف سفر كوادرها من مصر وإليها». كذلك كان الأمر في هونغ كونغ وفي سيول ونيودلهي... إلّا أن مؤشّر بورصة شانغهاي أبى إلّا أن يخالف النمط بسبب «بيع كميات من الذهب وقطف عدد من الشركات أرباح ارتفاع سعر النفط».
من جهة ثانية، عاشت البورصات العربيّة اضطراباً موازياً أدّى أوّل من أمس إلى «مسح كل الأرباح التي سجلت منذ تشرين الأول» حسبما أوضح مصدر مصرفي في باريس لـ«الأخبار».
ويوضح المصدر نفسه أنّ «الوضع في مصر سحب ثقة المستثمرين»، ويشير على سبيل المثال إلى أن صناديق التوفير السعودية «تستثمر في مصر نحو ١٥٠ مليون دولار» فضلاً عن الاستثمارات المباشرة للشركات والصناعيين التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار، ما يفسر «هذا القلق المشوب بالخوف».
وكان لافتاً أمس، إعلان رئيس مجلس الأعمال السعودي ـــــ المصري عبد الله صادق دحلان أنّ الاستثمارات السعوديّة في مصر تبلغ 10 مليارات دولار تتركز في مجالات السياحة، والفندقية، والصناعات، والتنمية الزراعية، والاستثمارات الفردية. ونقلت عنه صحيفة «عكاظ» أهميّة حماية تلك الاستثمارات في ظلّ «تفاقم الأوضاع المتسارعة في جمهورية مصر العربية»، مع العلم أنّ المشاريع المشتركة المصريّة ـــــ السعوديّة تمثل أكثر من 30% من إجمالي الاستثمارات في مصر.
والواقع أن القلق لا يتعلّق فقط بالاستثمارات المباشرة بل ينظر الجميع نحو «قناة السويس» أي أهم شريان لمرور النفط، ويسود التخوّف من أن تقود الثورة إلى إغلاق القناة ولو لفترة قصيرة فيما الطلب على الطاقة في فصل الشتاء قوي خصوصاً في أوروبا، وهو ما دفع بسعر برميل النفط صعوداً، إذ أن القناة وأنبوب نفط «سوميد» (Sumed) الذي يربط منفذ السويس بالبحر الأبيض المتوسط يتيحان مرور ٣ ملايين برميل يومياً أي 4.5% من الاستهلاك العالمي. وفي حال إقفال القناة فإن رحلة تأمين وصول النفط إلى أوروبا عبر رأس الرجاء الصالح سوف تأخذ عشرة أيام إضافية نحو أوروبا و١٨ يوماً نحو أميركا الشمالية.
وما يزيد من تدافع المؤشرات نحو الهبوط تراجع التصنيف المالي لمصر استناداً إلى تقارير عدة نشرتها مؤسسات التصنيف وتقويم إداء الاقتصاد. فمصرف «Jp Morgan» يتخوّف «من انتشار الفوضى في الشرق الأوسط وفي الدول المنتجة للنفط في شمال أفريقيا» فيما يقدر عدد من المراقبين أن ارتفاع النفط يمكن أن ينعكس تراجعاً بنسبة ربع نقطة للنمو العالمي.
من جهتة ثانية، خفضت وكالة التصنيف الائتماني «Moody’s» تصنيفها للدين السيادي مع توجه سلبي لتراجع هذا التصنيف في الفترة المقبلة بسبب «المخاطر السياسية». وقد تبعتها أمس في هذا الاتجاه السلبي وكالة «S&P»، بإعلانها خفض تصنيف ديون مصر درجة واحدة وأنها قد تخفض تصنيف البلاد بهامش أكبر في غضون ثلاثة أشهر إذا أدّت الأزمة السياسية إلى زعزعة الاستقرار بدرجة كبيرة، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز». وحدّدت أوساط مصرفية غربية ديون مصر الخارجية بـ49 مليار دولار، منها 17 ملياراً لفرنسا. وفي الوقت نفسه تبدو المصارف الفرنسية العاملة في مصر من أكثر المصارف المرشحة للخسارة، وخصوصاً «سوسييتيه جنرال».
ويبرر أحد المصرفيين هذا التصنيف القاسي بأنه يعكس تخوفاً من من لجوء السلطات المصرية «الحالية أو المقبلة» إلى زيادة ميزانيات المعونات المباشرة وزيادة دعم المواد الأولية لامتصاص النقمة الشعبية والرد على المطالب الاجتماعية، ما يمكن أن ينعكس زيادة في عجز الميزانية المصرية.
والمعروف أن دعم المحروقات والمواد الغذائيّة يؤلّف نحو 30% من موازنة الدولة. ومع إضافة خدمة الدين، الذي يمثّل 70% من الناتج الوطني، يُصبح 50% من الموازنة «غير قابل للتقليص».
وهذا الأمر يشير إلى أنّ هامش «شراء رضى الشارع والأمن الاجتماعي» بات ضيّقاً، يضاف إلى ذلك أن نسبة التضخم بلغت 10% هذه السنة، ومن المتوقع أن ترتفع في الحقبة المقبلة بسبب دفعات من إجراءات الدعم ،التي لا بد من أن تواكب امتصاص الثورة الشعبية. يضاف إلى ذلك أيضاً أنّ تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد وتوقف مرافق السياحة، سوف يزيدان من نسبة العاطلين من العمل، علماً بأن «مصر تشهد كل سنة وصول ٧٠٠ ألف طالب» إلى سوق العمل.
مؤشّرات التراجع كثيرة وأبرزها داخلياً توقّف عمل الموانئ (في ميناءي دمياط والإسكندريّة يغيب الموظّفون وممثّلو الجمارك!) والرحلات التجاريّة وتجمّد الحركة في القطاعات المختلفة. كذلك فإنّ آلات سحب الأموال (ATM) متوقّفة عن العمل...
وفيما لا يزال التداول في البورصة المصريّة متوقّفاً إلى أجل غير محدّد، قال المصرف الاستثماري «HSBC»، في مفارقة لافتة، إن التطورات الأخيرة في مصر كانت «بنّاءة» بما يكفي لعدّ سعر الأسهم المصرية مغرياً، ورفع تصنيفها إلى توصية بزيادة الوزن النسبي في محافظ المستثمرين.
ومثل الوضع في البورصة كذلك في القطاع المصرفي، حيث البنوك تُغلق أبوابها منذ 3 أيّام. غير أنّ المصرف المركزي يسعى إلى الطمأنة، فهو أكّد أمس أنّه سيُعيد سندات خزينة بقيمة 683 مليون دولار استحقّت آجالها لصالح المصارف في 30 من الشهر الماضي، مضافةً إليها فوائد بنسبة 8.25%.
الإشارات بدأت تظهر بوضوح تطلّعات العالم للتعاطي مع مصر في مرحلة ما بعد الغضب، الذي تولّده معدّلات بطالة تصل إلى 25%، فيما يعيش نحو ثلث السكان، أي أكثر من 16 مليون نسمة، تحت خط الفقر.
وأعلن مدير صندوق النقد الدولي، دومينيك شتراوس كان، أمس، أنّ الصندوق الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، يُعرب عن استعداده لتقديم المساعدة اللازمة للبلد العربي لإعادة بناء اقتصاده، وأنّ الصندوق «مستعد لرسم السياسة الاقتصادية التي يمكن اتباعها».
وبغضّ النظر عن الممارسات المثيرة للجدل للصندوق وآثارها التدميريّة على الشعوب الناهضة، يبدو كلام شتراوس كان متماهياً مع الواقع الجديد، حيث أشار في تصريحه الذي أدلى به من سنغافورة إلى أنّ البطالة وتزايد الهوة بين المداخيل كانا «من الأسباب الكامنة للاضطرابات السياسية في تونس، وتصاعد الغضب الاجتماعي في دول أخرى» في إشارة إلى مصر وربّما اليمن والأردن...
وفيما عيّن الصندوق شاخصة على مصر وتحوّلاتها، يجدر بالمعنيّين الثوار بدء خط تصوّرات لإعادة مصر على قدميها فيما يترنّح الديناصور.