يقاس كلّ نظام ضريبي بدرجة عدالته الاجتماعية وكفاءته الاقتصادية. ولكن النظام المُعتمد في لبنان يفتقد إلى الأمرين معاً. فهو غير عادل، يساهم في تركيز الدخل والثروة لدى أقلّية محظية. وفي الوقت نفسه، هو غير كفوء، يشجّع على تكديس الدخول العالية في المصارف أو في الخارج أو توظيفها في المضاربات المالية والعقارية، ومراكمة المزيد من الثروات الشخصية من دون أي مقابل حقيقي، لا عمل ولا إنتاج ولا ابتكار ولا مخاطرة.

على الرغم من الإقرار الواسع بهذا الدور السلبي الذي يلعبه النظام الضريبي اللبناني، إلّا أن مشروع موازنة عام 2019 لا يفعل شيئاً سوى ترسيخه وزيادة حدّة التفاوتات واللامساواة التي يخلِّفها. وفي هذا السياق، وافق مجلس الوزراء على التعديلات الضريبية التي اقترحها وزير المال، ولا سيّما رفع معدّل الضريبة التصاعدية على الرواتب والأجور وأرباح المهن الصناعية والتجارية وغير التجارية، عبر إضافة شطر جديد على الدخل السنوي الصافي الذي يفوق 150 ألف دولار، وإخضاعه لمعدّل ضريبة بنسبة 25%.
قد تبدو هذه التعديلات صائبة، كونها تستهدف أصحاب الدخل العالي، وهم قلّة قليلة جدّاً، إلّا أن مجلس الوزراء لم يوافق على اقتراحات من خارج المشروع المطروح، طرحت إخضاع أرباح شركات الأموال (الشركات المُساهمة والمحدودة المسؤولية والشركات القابضة) للمعدّلات التصاعدية نفسها، ونشب خلاف كبير على الاقتراح الرامي لرفع الضريبة على ربح الفوائد من 7% إلى 10%.


سنستخدم فرضية تحقيق دخل سنوي صافٍ خاضع للضريبة بقيمة مليون دولار، لنبيّن كيف أن النظام الضريبي في لبنان سيعاقبك في العمل والإنتاج وريادة الأعمال والإبداع وسيكافئك في الريع والمضاربات والربح السهل والسريع والمضمون. ويجدر عدم التعامل مع هذه الفرضية إلّا بوصفها أداة قياس بسيطة وسهلة لمقارنة مستوى الضغط الضريبي بين مصدر دخل وآخر، ولذلك سنتجاهل التفاوتات الهائلة في توزيع الدخل عموماً، وكذلك سنتجاهل الإعفاءات والاستثناءات الضريبية التي تحظى بها دخول معيّنة أو شرائح من هذه الدخول، بشكل دائم أو مؤقّت.
ما علينا معرفته أوّلاً، أن معدّلات الضريبة وقيمتها تختلف باختلاف مصدر الدخل، إذ يقوم النظام الضريبي اللبناني على ضرائب نوعية مُتعدّدة تميّز بين مصدر وآخر وتفرض معدّلات متفاوتة وتمنح إعفاءات واستثناءات واسعة لهذا وذاك، على عكس الأنظمة الضريبية في الكثير من دول العالم التي تقوم على ضريبة تصاعدية واحدة على الدخل المُجمّع، أياً كان مصدره، الأجر أو الربح أو الفائدة أو الريع أو الهبة.
والآن لنُجِب على السؤال المطروح: كم ستدفع ضريبة إذا ربحت المليون الدولار؟
1- إذا كان المليون دولار يمثّل مجموع الأجور الصافية في هذا العام، بعد تنزيل الإعفاءات العائلية وغيرها، فسيخضع لضريبة تصاعدية (إذا أُقرّت التعديلات المُقترحة في مشروع الموازنة)، يبلغ معدّلها الوسطي 23.5%، وسيتمّ اقتطاع نحو 235 ألفاً و720 دولاراً من الأجر، بالمقارنة مع 193 ألفاً و220 دولاراً، أي نحو 19.3% قبل التعديلات، أي بزيادة نسبتها 22%.
2- أمّا إذا كان هذا المليون يمثّل مجموع الإيرادات السنوية الخاضعة للضريبة لصاحب شركة فردية أو مشروع عائلي أو مهنة حرّة أو تجارة صغيرة أو حرفة... فسيخضع أيضاً لضريبة تصاعدية، وسيرتفع معدّلها الوسطي في مشروع الموازنة إلى 23.8%، وسيتمّ اقتطاع 238 ألفاً و130 دولاراً، بالمقارنة مع 204 آلاف و130 دولاراً، أي نحو 20.4% في الوضع الراهن قبل التعديل، بزيادة نسبتها 16.6%.
3- وإذا كان مصدر المليون هو مجموع الربح السنوي المُحقّق من الفوائد على الودائع أو سندات الدَّيْن أو من ملكيّة الأسهم في شركات الأموال وغيرها، فلن يُقتطع منه إلا 70 ألف دولار، بمعدل 7% مقطوعة. وهناك خلاف في مجلس الوزراء على رفع المعدّل على ربح الفوائد حصراً إلى 10%، ولكن حتى لو تمّت الموافقة على هذا التعديل، فلن يتمّ اقتطاع سوى 100 ألف دولار، أي ستبقى قيمة الضريبة على ربح الفوائد تشكّل نحو 42% فقط من قيمة الضريبة على الرواتب والأجور وأرباح المهن الصناعية والتجارية وغير التجارية.
4- وإذا كان مصدر المليون ربحاً من بيع أرض أو شقة، فلن تدفع عليه أي ضريبة فعلية، إذ إن الضريبة المفروضة على ربح البيوعات العقارية تبقى وهمية في ظلّ طريقة احتسابها والإعفاءات والتنزيلات الواسعة التي تنطوي عليها والثغرات القانونية التي تسمح بتفادي تسديد هذه الضريبة.
5- لنفترض أن المليون لم يأتِ من أيّ عمل أو استثمار أو ملكية، بل هو القيمة الصافية من جائزة اللوتو أو اليانصيب. في هذه الحالة، ستدفع ضريبة بمعدّل مقطوع 20%، أي ما قيمته 200 ألف دولار، وهذه القيمة أدنى من الضريبة على الأجور وأرباح المهن.
6- وأخيراً، لنفترض أن المليون هو الربح الصافي لمصرف أو شركة تأمين أو شركة استيراد... أو أنه ربح شركة «سوليدير» مثلاً، فسيخضع لضريبة مقطوعة بمعدّل 17%، ولن يتمّ تسديد سوى 170 ألف دولار عليه.