مصالح مشتركة لبيونغ يانغ وسيول تُبقي نافذة التعاون الاقتصادي


حبيب الياس
عادت الكوريتان، أمس، إلى طاولة المحادثات، لكن هذه المرة كان الهدف اقتصادياً، أدى إلى موافقة بيونغ يانغ على حل القضايا المطروحة من الجانب الجنوبي في ما يخصّ مجمّع كيسونغ بين البلدين.
موافقة تعدّ تغييراً في الموقف الكوري الشمالي، وإشارة إلى السعي لتحسين العلاقات مع كوريا الجنوبية، ولا سيما أنه يتزامن مع تأزم الأوضاع على الحدود البحرية بين الطرفين. ويطالب الجانب الجنوبي بمناقشة قضايا متعلقة بعبور العمال الكوريين للحدود والجمارك والاتصالات وبناء مساكن العمال في المقام الأول، إلا أن الجانب الشمالي أصرّ على إدراج مسألة زيادة رواتب العمال الكوريين الشماليين مع هذه القضايا المطروحة من الجنوب. غير أن الضغط الجنوبي والحاجة الماسة إلى الأموال من الجانب الشمالي جعل هذا الأخير يرضى بالقليل، محاولاً استعمال الضغط العسكري لتقوية موقفه التفاوضي. وهذا ما حصل أول من أمس مع الاتفاق على عقد اجتماع العمل العسكري لمناقشة القضايا المتعلقة بإجراءات عبور العمال الكوريين للحدود والاتصالات والنقل داخل المجمع وخارجه أولاً، ثم مواصلة النقاش بشأن قضية مرافق لإيواء العمال الكوريين الشماليين وأجورهم عبر اجتماع العمل بين الجانبين.
هذا الاتفاق قد يمهّد لإعادة انطلاق الأعمال التي كانت قد توقفت أخيراً في مجمّع كيسونغ، الذي يقع داخل حدود كوريا الشماليّة، بعدما نفذت الأخيرة «تدابير الأول من كانون الأول» التي تشمل حظر العبور البري عبر الحدود وإيقافه. إلا أن بيونغ يانغ عدّلت من موقفها، مقترحة إجراء محادثات مع سيول تهدف إلى تحسين العلاقات عبر الحدود. ويقول محللون إن العرض الكوري الشمالي للمحادثات هو جزء من حملة السلام التي تهدف إلى رفع مستوى المعيشة للكوريين الشماليين وتحقيق هدفها المتمثل في «أمة قوية ومزدهرة» بحلول عام 2012.

تعدّ اليد العاملة الماهرة والرخيصة التي يوفرها المجمّع ذات إفادة اقتصادية كبيرة
لكن إلى جانب ذلك، فإن لكل دولة أهدافاً تدفعها إلى إبقاء استمرارية المشروع. فعلى المستوى الكوري الجنوبي، تعدّ اليد العاملة الماهرة والرخيصة التي يوفرها المجمع ذات إفادة اقتصادية كبيرة، وخصوصاً إذا ما قورنت باليد العاملة المتوافرة في دول مثل الصين وفيتنام. فرغم أن اليد العاملة في هذين البلدين تعدّ من الأرخص في العالم، إلا أنها تبقى أغلى من نظيرتها في كوريا الشمالية. هذه اليد العاملة تؤمّن إفادة كبيرة للشركات الكوريّة الجنوبية العاملة فيه. إلا أن هذه الشركات مستعدة للمغادرة إذا دعت الحاجة. فالتفاؤل بإعادة العمل بالمجمع يقابله غرق الشركات بصعوبات السيطرة على العمالة الكورية الشمالية، وبالقلق من قيام بيونغ يانغ بإقفاله في أي وقت، ما أدى إلى خفض المشترين لطلبياتهم على البضائع المصنعة في المجمع، مع عدم تعويض الدولة لخسائرهم.
مخاوف الشركات تنبع من التغيير السياسي في كوريا الجنوبية، وتولّي الإدارة المحافظة للرئيس لي ميونغ باك، التي تولي أهمية للمبادئ الصارمة وتغيير كوريا الشمالية، على عكس الحكومتين الليبراليتين السابقتين، اللتين حرصتا على احترام الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في القمتين الكوريتين في 2000 و2007.
أما من الناحية الشمالية، فيعدّ هذا المشروع الكوري المشترك من أهم مصادر توفير النقد الأجنبي للشمال، الذي يواجه تشديداً لعقوبات الأمم المتحدة بعد تجربته النووية التي أجراها في أيار من العام الماضي.
فإضافة إلى تصدير البضائع التي أدخلت إلى بيونغ يانغ ما يقارب 10 ملايين دولار بين عامي 2005 و 2008، فإن كوريا الشمالية تحرص على مصدر عملات أجنبية آخر، عبر مطالبتها، في تموز الماضي، برفع أجور عمال الشمال في المجمع إلى 300 دولار، أي بنسبة 400 في المئة. إلا أنها وافقت في أيلول من العام الماضي على الزيادة بنسبة 5 في المئة لتصل الرواتب إلى 57.88 دولاراً حدّاً أدنى. ولم تتطرق إلى مطالبها برفع الأجور منذ ذلك الوقت.
كوريا الشمالية تخشى تسلّل الفكر الاستهلاكي عبر المجمّع
ففي ظل الحاجة الماسة إلى العملة الأجنبية لكوريا الشمالية، يبقى مجالها للمناورة قليلاً من الناحية التفاوضية. إذ إنها تواجه أزمة اقتصادية داخليّة، نتجت من تنفيذ إصلاحات نقدية الشهر الماضي أدت إلى انخفاض قيمة العملة وغلاء شديد في الأسعار، ترافقت مع نقمة شعبية وصلت إلى حد مواجهات مع رجال الأمن من قبل «تجار ومواطنين فقدوا ممتلكاتهم»، بحسب ما ذكرت صحف كورية جنوبية.
كذلك فإن كوريا الشمالية اعتادت الحصول على 70 مليون دولار سنوياً من الرحلات السياحية الكورية الجنوبية إلى كيسونغ وجبل كوم غانغ وأجور العمال في المجمع كيسونغ الصناعي. وهذا المبلغ بالنسبة إلى الاقتصاد الكوري الشمالي ليس رقماً صغيراً على الإطلاق، إذ إنه يعادل نحو 8 في المئة من إجمالي صادراتها.
وخارجياً، تعاني الدولة الشيوعية المنعزلة من نقص حاد في النقد الأجنبي بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، إضافة إلى عدم تدفق المساعدات الأميركية والصينية.
حسابات مصلحة للطرفين تساهم في إبقاء نافذة «كيسونغ» مفتوحة على تعاون اقتصادي، تحكمه مخاوف بيونغ يانغ من تسلّل الفكر الاستهلاكي إلى هذا المجتمع الشيوعي.


افتتح مجمّع كيسونغ الصناعي في عام 2004، نتيجة للقاء القمة الكوري المشترك في عام 2000 بين الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ إيل ونظيره الجنوبي كيم داي جونغ. ويضم المجمع 114 من الشركات الكورية الجنوبية الصغيرة والمتوسطة وغيرها من المصانع التي تقوم على العمالة المكثفة، بينما يبلغ عدد العمال الكوريين الشماليين نحو 40 ألف عامل، ينتجون في الغالب السلع التي تتطلب العمالة المكثفة مثل المنتجات الإلكترونية، الملابس وأدوات المطبخ.